العودة الفلسطينية بين عدالة الحق وإشكالية الحقيقة.
الشيخ حسين أحمد شحادة.
في القرآن الكريم [لا يَنْهَاكُم الله عَنْ الذينَ لمْ يُقَاتِلوكُم في الدين ولم يُخْرِجُوكُم مَنْ ديارِكم أنْ تبروهم وتقسطوا إليهم إنَّ الله يُحبُ المقسطين... إنما يَنهاكم الله عَنْ الذينَ قاتلوكم في الدينِ وأخرجوكم مِنْ دياركم وظاهروا على إخراجِكم أنْ تولوهم ومَنْ يتولهم فأولئك هم الظالمون]
في الآية الأولى إشارة إلى أن الشرط الموضوعي للسلام والعيش المشترك يجب أن يستند على قيمتين من قيم العدالة الاجتماعية..
أحدهما: احترام حرية المعتقد
وثانيهما: احترام واقع التعددية.
وفي الآية الثانية إشارة إلى أن العائق الأساس في إحراز السلام وتطبيع العلاقات في الخصومات الدينية والسياسية يتمحور في عقبتين..
أحدهما: عقيدة القتل والتدمير.
ثانيهما: ثقافة النفي والإلغاء والإقصاء.
في مثال الصراع العربي مع العقل الإسرائيلي نحن أمام مأزق حقيقي للسلام يتبدى واضحاً في ذهنية الدولة العبرية في التعاطي مع الحق الأكبر من الحقوق الفلسطينية عَنيتُ به حق العودة.. وبقراءة فكرية فلسفية تاريخية فإن مشروع نفي الفلسطيني من أرضه كان يهدف إلى:
أولاً: ضرب العيش المشترك وتهديم نموذج التعددية لان الكيان الصهيوني الإسرائيلي مؤسس على تقديس الدين الواحد، واللون الواحد، والعرق الواحد،.
ثانياً: تحويل الفلسطيني إلى أقلية في أرضه تمهيداً لإقامة دولة الباطل على أنقاض دولة الحق.
ثالثا: تغذية الاستغلال البشع للدين في المنطقة لتقسيم الوطن العربي إلى دويلات طائفية وعرقية كما حدث في لبنان إبان الحرب الأهلية التي لم تخمد إلا بتدخل الشقيقة سوريا لإفشال مخطط التقسيم ورد الاعتبار لنسيج العيش المشترك في ظل دولة القانون والمؤسسات...
آمل أن يتسع لي الوقت في المستقبل لدراسة مفهومي الحق والوطن التي عالجها القرآن بعشرات الآيات التي تصدت لإنهاء عصر النفي وإنهاء عصر تزوير الحقوق والأوطان والأديان والأخلاق...
والقرآن يقترح للخلاص من ذلك كله برد الاعتبار لميزان العدالة المكسور... [والسماء رَفَعها ووَضَعَ المِيزان ألاّ تطغوا في الميزان]...
فإما إذا انكسر ميزان العدالة، واستبدال به المطففون سياسة ازدواجية المعايير وثقافة كتمان الحق أو ألبسوه بالباطل والظلم فإن العالم بأسره ذاهب إلى الكارثة العظمى.
ولقد آثرت أن أتحدث بعفوية الإنسان الذي يرى مشهد الكارثة ويبحث عن الشمعة الأخيرة والسراج الأخير في زمن انهيار المعنى الإنساني من إنسانية الإنسان...
هل يحتاج ـ حق العودة ـ إلى فلسفة قانونية أو دينية لتوثيق معنى حدود البيت والوطن في زمن العولمة...؟!
وهل نحن الآن داخلون في عصر الإنسان ـ الطائر المهيض الذي لا جناح له في عصر محو الهويات ولا شجر ولا سماء؟!.
منذ قرن وحتى اللحظة الراهنة لم تنضبط السياسة العالمية على ـ استراتيجية ـ تصحيح الأخطاء وحماية الحقوق وإنما على منطق استبدال الأخطاء المميتة بالأخطاء القاتلة في مشهد يتم فيه تعطيل القانون الدولي واغتياله في واضحة النهار لنفتح أعيننا على حقيقة كارثية،، يدفع ثمنها العالم بأسره باختطافه لجوهرة السلام.. ذلك أن مصطلح السلام الذي تمت صياغته وتفسيره بمنطق الدفاع عن اختلال توازن القوى ينتهي مصلوباً تحت أقدام القوة في عصر اختلال موازين القيم.
فإذا حدث أن تأسست دولة إسرائيل على منطق التسوية بقاعدة توازن القوى وعلى منطق تسوية المشكلات باستبدالها بمشكلات جديدة كان المأزق السياسي العالمي تجاه حق العودة في فلسطين وسواها من الحقوق الإنسانية المهدورة في العالم معبّراً تمام التعبير عن مأساة العقل البشري الذي لم يقترب بعد من منطقة التفكير بالأسس العميقة لمشكلاته في السياسة والاقتصاد والإصلاح والتنمية.
وأزعم أن الخطأ الفلسفي في تعريف السياسة بأنها البحث في شروط ما هو ممكن وليس في شروط ما هو قانوني وشرعي انتهى بشر منها إلى ما نراه الآن في ارتباكات المجتمع الدولي حول الفاصلة المفقودة بين تعريف الإرهاب وتعريف المقاومة... وما من شك في أن القانون الدولي بخبرته الحضارية الواسعة قادر على إدراك هذه الفاصلة لكنه وهو المضرّج بالفيتو الأمريكي سيعفي نفسه من مهمة تحليل فلسفة الأخلاق المختلفة باختلاف العقائد والثقافات.
إن الحضارة التي أعلنت في مطلعها عن موت الله هي نفسها التي تدق مساميرها الحديدية في نعش القانون الدولي معلنة بذلك نهاية الأخلاق وموت العقل...
يوم كنا صغاراً قرأنا بان عماد الحضارة يبنى على قيم ثلاث وهي: قيمة الحق متمثلة في علم المنطق، وقيمة الخير متمثلة في علم الأخلاق، وقيمة الجمال متمثلة في علم الجمال...
ويوم كنا على مقاعد الدين والدراسة كان السجال بيننا هل بوسع الحضارة الإنسانية أن تمشي على ساق واحدة... هل تستطيع أن تمشي بعلم المنطق دون أن يحمي روحها وغايتها في الوجود علم الأخلاق وعلم الجمال؟..
وما كنت أظن يومها أن يأتي زمن على الحضارة فتصاب بالعمى وبعمى الألوان وبعمى البصر والبصيرة فتمشي مكبة على وجهها بلا حق، بلا خير، بلا جمال..
حتى بدأت بدراسة ظاهرة التطهير العرقي، وظاهرة مخيمات ما يسمى باللاجئين.... وصولاً إلى ظاهرة انتهاك حقوق الإنسان من أدنى الأرض إلى أقصاها..
ومن المفارقات الساخرة بحسب ملف المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية، أن يتم النقاش بينهما على كل شيء باستثناء هذه الحقوق وعلى رأسها حق العودة وتأجيلها إلى مفاوضات ـ الوضع النهائي ـ ما يعني محاولة جر المفاوض الفلسطيني نفسه إلى التوقيع من حيث لا يشعر على التنازل عن جوهر هويته التي اختزلتها المفاوضات بالحديث عن شكل المساحة المتبقية من فلسطين وشكل سلطتها المستقبلية والإقرار بشرعيتها تمهيداً لانتزاع القرار الأخطر بالتنازل عن حق العودة مروراً بالتنازل عن حق الكفاح المسلح لاسترداد الهوية والحقوق وإنهاء الاحتلال وهي محاولة باءت بالفشل التدريجي.
حتى يتبدى لنا في وضوح أن مأساة الشعب الفلسطيني تعلق اليوم على مشانق السياسة الدولية التي ارتقت بياناتها الرسمية من الحديث عن الحقوق المشروعة لشعب أخرج من وطنه بقوة القهر والعنف والسلاح إلى الحديث عن حقوق المحتل الإسرائيلي ما يكشف من وراء باطنية السياسة الإسرائيلية أن اعترافها بوجود السلطة الفلسطينية كان مفتوحاً على شهيتها لتجنيد الضحية لحماية مملكة الجلاد.. غير أن انتفاضة الأقصى كانت هي الإعلان التاريخي الصريح لمقاومة مشروع تمزيق الوحدة الفلسطينية في الداخل.. أي لمقاومة تهويد السلطة التي تحاول أن تحتفظ ببقية الأمل الفلسطيني في تأسيس دولته المستقلة..بذلك لا مفر من الحديث عن احتشادات الوحدة ذلك أن عزة الوحدة الفلسطينية في أحلك ظروف التحدي من شأنها أن تخرج حق العودة إلى نور الأمل والرجاء...
لن أقارب إشكالات الخلاف الفلسطيني ـ الفلسطيني وتأثيراتها على اختناق حق العودة لأن انتصار الدم الفلسطيني في امتحانات الوحدة أنهت وإلى الأبد المناكفات والمماحكات الفلسطينية لتستقبل عصر التضامن بوصفه الشرط الموضوعي لصبغ الحقيقة الفلسطينية من الحق الفلسطيني نفسه الذي أثبت عن كفاءة عالية في إنتاج المستقبل من مصانع الألم.. في فصول مشرفة من إرادة البقاء والحياة وبهواجس الوحدة والمستقبل لم يكن الفلسطيني معها يخشى على حق عودته من العقل السياسي الإسرائيلي وإنما من العقل الديني الإسرائيلي الذي يمثله الحاخامات برفضهم الحق الفلسطيني بتقرير مصيره.. لأن تزييف التوراة تأسس على نبوءة أن كل فلسطين هي لليهود ومع علمنا بصعوبة الفصل بين الديني والسياسي في إسرائيل إلا أن الخطر المستقبلي على حق العودة سيظل مستفحلاً لا في الصراع بين دولة فلسطينية ودولة إسرائيلية بل في التناقض الجذري بين دولة عربية راضية بالحق الأدنى من الاعتراف الدولي ودولة عبرية لا حدود جغرافية لنبواءتها التوراتية. وفي المدى المنظور في ضوء الاستشراق لنتائج احتلال العراق سيتداخل هذه المرة حق العودة إلى الوطن فلسطين بحق الحرية في الوطن ـ العراق ـ ما يعني أن عواقب إهمال قضية اللاجئين النائمة.. وعواقب إهمال التصدي لتزوير حق العودة واستبداله الإسرائيلي بمفهوم ـ التئام شمل العائلات، وعواقب إهمال التصدي لسياسة تجزئة قضايانا العربية سيدفع بواقع الهزيمة العربية وفق معادلة تغدو فيها دولة إسرائيل دولة لكل يهودي في العالم بينما الدول العربية مذوبة بأسيد ما يسمى الآن مشروع الشرق الأوسط الكبير...
لقد أصبح سؤال العدالة وطلب العدالة في زمن العولمة الأمريكية شائكاً ومعقداً وساخراً من مهزلة الحديث عن الإصلاح والديموقراطية فمنذ اللحظة التي شهدت إسقاط قرار الأمم المتحدة المتصل بمساواة الصهيونية بالعنصرية.. أقول منذ تلك اللحظة تغيّر علم الحق وعلم الأخلاق وعلم الخير وعلم الجمال.. ليشمخ رأس إسرائيل لتغريب دفة المعركة وتزوير حقيقتها من معركة بين احتلال ومحتل إلى معركة بين دولة إسرائيل ومخربين إرهابيين يهددون وجودها وأمنها واستقرارها المزعوم وبهذه اللعبة الجهنمية يصبح التنازل عن حق العودة شرطاً إسرائيلياً للعفو عن الإرهابيين.
وبعد هذا العرض السريع لقراءة حق العودة من منظور سقوط الحضارة أتطلع الآن إلى سؤال التحدي والمواجهة بلغة الدين والأنبياء أي بإيقاظ معنى الانتصار ـ لمظالم الإنسان منادياً بجعل معركة حق العودة الفلسطينية معركة إنسانية أي معركة كل المصابين بانتهاكات حقوقهم الإنسانية، وكل المفجوعين بأوطانهم...
وفي الزمن الرديء والسقوط المريع لنظام القيم في مشهد التواطؤ البشع بين أعلى المرجعيات الدولية ضد الحق والعدالة فإن الدعوة إلى إيقاظ الضمير العالمي هي معركة شرفاء العالم وأحراره... وعندما تزني السياسة الظالمة بأمومة الأمم المتحدة فإن بوصلة المعركة الحضارية يجب أن تستنفر العدالة العالمية لمقارعة الاستبداد العالمي.. وفي ميدان هذه المواجهة فإني أقترح مؤتمراً عالمياً للمنظمات الإنسانية؟ يضم أحراراً من مسيحيين ومسلمين وعلمانيين على مستوى العالم... بوصفها الجزء المعافى من الحضارة استطاعت في العقود الماضية أن ترسم الخط الحاد الذي يفصل بين الحق والباطل فأحرزت نصراً في معارك التمييز العنصري والتعصب والتطهير العرقي والاستغلال في جبهات مختلفة من حلبات الصراع... وليس من المتعذر على أمتنا العربية أن تفتح منظماتها الإنسانية على تلك المنظمات لترتيب حملة قوية تلفت انتباه العالم إلى مظالم وأوجاع فلسطين لا سيما وأن حق العودة يمثل 70% من بشرية فلسطين المشرّدة في أربع رياح الأرض...
ويطوف بخاطري في زمن التزوير، وتمزيق الشتات الفلسطيني لمصير مجهول.. أن تجمع وثائق حق العودة لكي لا نشهد العصر الذي يباع فيه الفلسطيني لأعدائه كما يباع الرقيق...
إن سياسة تهديم البيوت واقتلاع الأشجار وقتل الأطفال في الداخل وإقامة الجدار الفاصل لعزل الفلسطيني عن منابع الماء والحياة لا تهدف إلى طمس حق العودة فحسب، وإنما إلى تشريد ما تبقى في فلسطين من فلسطين..
ولعلنا نلحظ من سياسة الاعتداء على الكنائس والمساجد ظاهرة تدل على هستيريا العقل الإسرائيلي المجنون المهووس بنظرية محو التاريخ الفلسطيني والتراث الفلسطيني والذاكرة الفلسطينية..
يوم تنزل القرآن بالآية الكريمة: [يَا أيها الذينَ آمنوا لا تدخلوا بُيوتاً غيرَ بيوتكُم حتى تَستَأنِسوا وتُسَلِموا على أهلها ذلكَ خير لكُم لعلكم تذكرون] (النور27) استيقظ العقل العربي على قدسية حرمة البيوت وحرمة الوطن ويوم استيقظ على معنى اتصال عزة المؤمن بعزة الله. وفتح عينيه على حقيقة جديدة من نظام القيم مفادها أن الكرامة لا تباع فلا يحق لمؤمن أن يتصرف بعزته على هواه لأن عزته مجدولة بعزة الله وبذلك فإن حق العودة من القيم التي لا تقبل التزييف بالتنازل عن مضامينها المقدسة قداسة الإنسان. المؤمن مأمور بحسب القرآن بالدفاع عن جغرافية ذاته وجغرافية بيته وجغرافية وطنه ولم يكن من قبيل الصدفة التاريخية ارتباط تشريع الجهاد والمقاومة بحق العودة إلى البيت وإلى الوطن بصريح الآية المباركة [أذن للذين يُقَاتَلون بأنهم ظلموا..] وعنوان الظلم.. لأنهم أخرجوا من ديارهم بغير حق والسؤال... لماذا فلسطين؟ لماذا استطاع ملايين الناس في القرن الماضي استرداد حقوقهم والانتصار على نظام التمييز العنصري؟ لماذا فشلت الأمم المتحدة في تنفيذ القرار 194 بالرغم من إجماع العالم والأسرة الدولية على لفظه وتفسيره ومعناه وتجديده في كل عام لأكثر من مئة مرة ولأكثر من خمسين عاماً...؟ أليست من المفارقات الساخرة مزاعم من يزعم بأن تنفيذ قرار حق العودة مستحيل لأن المتغيرات الجغرافية لا تحتمل استيعاب ملايين المشردين الفلسطينيين؟؟ والسؤال هل من منطق الديموغرافيات الإسرائيلية ـ الأميركية أن يسيطر 200.000 يهودي على قرى خمسة ملايين لاجئ مشردين في أنحاء المعمورة ومحرومين من أبسط حقوقهم في الهوية والعودة والوطن.
ومن مهازل المنطق السياسي ـ الإسرائيلي أن المساحات الفارغة في فلسطين تمثل مشكلة ضاغطة على الإدارة الإسرائيلية إلى حد أنها تحاول اليوم استحداث قوانين جديدة لاستيراد بشر من غير أن يكونوا إسرائيليين للعيش في هذه الأراضي الشاغرة ويباع المتر الواحد إلى الأسترالي أو الكندي أو الأمريكي بمبلغ ألف دولار ويذهب التزوير الإسرائيلي بعيداً بمقترحات من الحلول النظرية تسمح بعودة محددة إلى الدولة الفلسطينية المنتظرة لا إلى ديارهم، والحل السحري أن يعاد توطين اللاجئين كبديل وحيد عن حق العودة.
في دراسة عملية قيمة يقول الباحث سلمان أبو ستة مؤسس جمعية أرض فلسطين: "أن حق العودة ممكن وقابل للتنفيذ خلافاً للمزاعم الإسرائيلية فهناك حيز كاف لاستيعاب اللاجئين العائدين مع تعديل طفيف لأماكن وجود اليهود والأفكار الإسرائيلية المتكررة بشأن الاحتفاظ بمجتمع يهودي حصري ومتفوق هي أفكار غير شرعية وغير أخلاقية وببساطة لا يمكن الدفاع عنها في المدى البعيد، وهذا يقودنا إلى استنتاج أن السياسة الإسرائيلية الحالية التي تنكر على اللاجئين حق العودة مصيرها الفشل وسيكون من الحصافة أن يعلق الإسرائيليون أمالاً على المستقبل ببناء جسور الإرادة الطيبة بدلاً من ترسانات أسلحة الدمار الشامل"..
غير أن إسرائيل المتمردة على شرائع الأرض وشرائع السماء... لا تملك شيئاً من تلك الإرادة الطيبة ما يقودنا إلى الرهان من جديد على فاعلية الدور الدولي للمنظمات الإنسانية... لماذا؟ ثمة حلقة مفقودة في الرهان على المجتمع الدولي والدبلوماسية الدولية... رأيناها في مساندة هذا المجتمع لحق العودة في ونامبيا وقبرص... فلماذا لا يفعل ذلك في فلسطين.
والمجتمع الدولي نفذ قرارات للأمم المتحدة بالقوة العسكرية في البوسنة وتيمور الشرقية والكويت وكوسوفو ورواندة والسلفادور.. فلماذا لا يفعل ذلك في فلسطين؟!.
وإذن فإنه من الوهم السياسي أن يحكم على خمسة ملايين إنسان بالإلغاء والنفي والنسيان.. ومن الوهم السياسي كذلك الاعتقاد بان في إمكان السلام العادل والشامل أن يعمّ من دون التزام بترجمة قانون حق العودة، على أكبر لاجئي العالم حججاً وأقدمهم عهداً وأهمهم سياسياً.. وفي صورة الصبر الفلسطيني على الأمرّ من الصبر ربما تنجح إسرائيل بتدمير القرى وتحويل عناوينها إلى مخيمات لكنها لم ولن تتمكن من تدمير الانتماء إلى تلك القرى الحزينة المتوهجة أبدأ بإسلامييها ومسيحييها في الذاكرة الفلسطينية وهي عندي الكنز الخالد للذاكرة العربية والحوار والتعددية والعيش المشترك..
وطالما كان هناك طفل فلسطيني على وجه الأرض فإن هذا الطفل سيولد ويولد معه حق العودة إلى فلسطين المسببة باعتراف القانون الدولي حيث تعتقد منظمة العفو الدولية ان حق العودة لا ينطبق فقط على أولئك الذين طردوا مع عائلاتهم مباشرة بل أيضاً على أولئك المتحدرين من أصلابهم..
إنني أحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية في تفريغ أرض فلسطين من أهلها الشرعيين لكل دولة كبرى أو عظمى أو صغرى ساهمت بتأسيس دولة إسرائيل وعلى هذه الدول مجتمعة أن تعتذر عن خطئها التاريخي وتصححه بمساندة الشعب الفلسطيني بالضغط لتنفيذ قرارات حق العودة ولن يسقط حق العودة بالتقادم ومن أغرب غرائب التدليس على الحضارة والقانون الدولي أن تعتمد إسرائيل في البند السادس من تحفظاتها على خارطة الطريق لنسفها بالقول: "على الدولة الفلسطينية أن تصدر إعلاناً بشان حق إسرائيل في الوجود كدولة يهودية وبشأن التنازل عن حق عودة اللاجئين الفلسطينيين لما هو الآن دولة إسرائيل" وفي البند الرابع عشر: "تساعد الدول العربية العملية بإدانة العنف ولا يتم الربط بين المسار الفلسطيني ومسارات السلام الأخرى".
ولأن إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات فإن مجلس الحكم الانتقالي في العراق المعين من قبل سلطات الاحتلال يسمح لليهود الذين غادروا العراق في الخمسينات بالعودة إلى العراق والحصول على تعويضات واستعادة ممتلكاتهم وذلك ابتداءً من شهر يونيو القادم.
وفي زمن التزوير وازدواجية المعايير صدر عن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في أوائل عام 1996 بأن ما لا يقل عن تسعة ملايين لاجئ تم إعادتهم لأوطانهم خلال السنوات الخمسة الماضية، والسؤال الذي يعيد نفسه جارحاً ومجروحاً... لماذا فلسطين؟.
وعلى مدى نصف قرن لم تنجح عشرون مبادرة عالمية لتزوير حق العودة الفلسطيني... لأنها كانت تفتقد إلى الحد الأدنى من علم الحق وعلم الخير وعلم الجمال...وعلى جلجلة العدالة المذبوحة من الوريد إلى الوريد يتراصف السجال بين تقديس حق العودة اليهودية إلى فلسطين باسم النبوءات الدينية المزيفة وبين تحريم حق العودة الفلسطينية إلى فلسطين بقوة اللوبي الصهيوني الحاكم المطلق في البيت الأبيض. غداً سيكتب التاريخ أن تسخير الدين لأغراض سياسية هو اللغم الموقوت الذي سيدمر الحضارة الإنسانية نفسها، وسيفضح الأستاذ الجامعي الإسرائيلي شاحاك الأساطير التنلمودية المحشوة في عقل شارون بقوله: "أن فكرة الترانسفير تظهر كواحدة من بدائل إبادة الجنس البشري فنحنُ نرى في مقطع مشهود من التلمود: يشوع قبل دخوله إلى فلسطين التي سيفتحها يوجه إنذاراً إلى السكان: إما أن تخضعوا وتصبحوا حطابين وسقايين كما حدث لأهل جعبون، وإما أن تهاجروا بإرادتكم وإذا ما استمر هؤلاء فستتم إبادتهم".
ولا أعرف أنا المهموم بهزيمة الحق والعدالة..بأي لغة وبأي شريعة وبأي قانون يطرح الشعار الزائف "فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" ثم توقع دول الحضارة الغربية على هذا الشعار بأصابعها العشرة ثم تكتب أطناناً من الكتب في حملة منظمة على الإسلام بأنه الدين المتخلف اللاإنساني الذي يفتي بقطع يد السارق إذا سرق؟...
ومن وعد بلفور إلى وعد بوش يستشري سرطان التزوير العالمي ليندلع العالم كله على اختلال موازين القيم. فكل له حق على كوكب القوة إلا الصمت العربي المتخصص بالتبذير والإسراف إلى حد تبديد النفط وتبديد الأرض ليجر من رأسه في العقد الثاني من هذا التاريخ حطاباً أو سقاءً أو نادلاً في فندق الشرق الأوسط الكبير.
في القرن الماضي عمد يوسف فايتس من منظري الحركة الصهيونية إلى وضع خطة لترحيل الفلسطينيين وتصديرهم إلى العراق وقد حظيت الخطة في عهد بن عوريون بتأييد سخي من الرئيس الأمريكي هومر وتحين الآن اللحظة المناسبة لفتح ملفات الخطة القديمة! ألم تكن فكرة تفريغ فلسطين مجرد حلم من أحلام هرتزل في يومياته في صبيحة 21 حزيران لعام 1895 معتبراً أن دولة إسرائيل هي المركز الأمامي للحضارة الغربية في وجه البربرية العربية فيقول إن اليهود سيكونون بعودتهم إلى وطنهم التاريخي ممثلين للحضارة حاملين النظافة والنظام وعادات الغرب الراسخة إلى هذه الزاوية من الشرق الذي تتفشى فيه الأوبئة والآفات... وليس من الغرابة ما نسمعه من الإدارة الأمريكية... عن وعودها للعالم العربي والإسلامي بالإصلاح والديموقراطية وتخليص الأمم المنكوبة من أنظمة الفساد والقمع والاستبداد... وعلى درب جنائز حق العودة تبدو فاجعة المشهد بظهور رأس حق العودة محاصراً بسيفين: سيف السلطة الإلهية التي وعدت بأرض لشعب واحد... وسيف السلطة الحضارية التي تقود العالم إلى عصرها الحجري الأول..
ومن أخطر الخطر على علم الحق وعلم الخير وعلم الجمال أن يرى بعض المسيحيين واليهود في الولايات المتحدة الأمريكية في الصهيونية بيدقاً إلهياً يعمل على وعد السماء بتجميع اليهود في فلسطين... وفي مثل هذا التعبد الروحاني سيعتبر كل معارض للصهيونية معارضاً لذات الله وحكمة الله ومشيئة الله...وبذلك يكتسي البيشوف أو الاستيطان طابع الانقياد لإرادة الله... وتجدر الإشارة التاريخية إلى جميع القرى الفلسطينية التي أخليت من سكانها كانت واقعة تحت مرمى النيران المباشرة أو تحت مرمى المجازر المعروفة أو تحت مرمى التهديد المباشر بالسلاح وسواها من دوافع القسر والإكراه فلم يخرج الفلسطينيون من قراهم بمقايضات مالية بموجبها تَمَّ إخلاء الأرض كما تروّج له الشائعات الإسرائيلية...
ولقد قاوم الفلسطيني الأعزل تلك الحرب النفسية والعسكرية بإمكانات متواضعة لم تصمد أمام قرارات الطرد العنيفة والتي لم تستثنِ شيخاً أو طفلاً أو امرأة وتشير الوثائق إلى أن مصرعهم في مسيرة الإرغام على الخروج من ديارهم بسبب التجفاف والأمراض... إن اقتراف حوالي عشر مجازر كبرى وحوالي مئة مجزرة صغيرة كانت كفيلة بتعجيل إلقاء الفلسطيني إلى مصيره المجهول ليظهر الفلسطيني الحي في منفاه شاهداً لا على معاناته التي كابدها فحسب بل على انكشاف الخديعة الإسرائيلية المزورة للإنسان والأرض والتاريخ... زاعمة في المحافل الدولية بأن الأرض الفلسطينية كانت خالية وبأن اللاجئين الفلسطينيين شكلوا صفقة من التبادل السكاني مع أولئك اليهود الذين غادروا الوطن العربي في الخمسينات والسؤال كيف نواجه التضليل الإسرائيلي وبهتانه؟.
يبدو لي أن أخطر نظرية إسرائيلية تناولت حق العودة هي الشعار الاستراتيجي الذي تبنته الخارجية الإسرائيلية بالقول: إن كنت لا تستطيع حلها فأذبها" أي إذا كنت لا تستطيع حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين كمشكلة سياسية فحاول إذابة المشكلة وتفريق فاللاجئين من خلال دمجهم في اقتصادات بلاد إقامتهم ومجتمعاتها أي من خلال التوطين...
وها هنا فإني أدعو إلى صياغة جديدة لحق العودة بوصفه جزءاً لا يتجزأ من سائر الحقوق الفلسطينية المهدورة فلا فرق بين لاجئ أخرج من دياره عام 1948 ولاجئ أخرج من دياره عام 67 ما يعني أن أولوية المواجهة لتحديات حق العودة يجب أن تنطلق من ثوابت الإطار القانوني بوصفه الأساس المعرّف للحقوق الفلسطينية كافة ومهما كانت التسويات المقترحة فإن من أخطر الخطر التفريط بهذا الإطار القانوني المستهدف في هذه المرحلة بحملة من التشكيك بفاعليته وجدواه حيث يجري الكلام الإسرائيلي عن تفسير حق العودة بعودة الفلسطيني إلى الدولة الفلسطينية وليس إلى أرضه المحتلة.. وإزاء هذا العبث بالإطار القانوني لحق العودة يجدر بصوت العقل الفلسطيني أن يرتفع عالياً في معركته الدبلوماسية ليحشد مع قواه الذاتية قوى المنظمات المناصرة لحقوق الإنسان... والاستفادة من منابرها للتأثير على المجتمع الدولي الذي لن ينخدع مرة أخرى بعد الفضائح المرئية واللامرئية من احتلال العراق شرط أن نأخذ نحن الدرس البليغ من معركة الإعلان والتوفر على أدواتها وشروطها الموضوعية والمستقبل لكلمة الحرية وحرية الكلمة... ولقد كتبنا كثيراً عن معاناة حق العودة وتحدثنا كثيراً عن مآسي حق العودة وأنشدنا كثيراً عن غربة حق العودة وآن للعقل العربي هذه المرة أن يزيح الستار عن قوة حق العودة... الذي لم تستطع مجزرة صبرا وشاتيلا على مصادرته واستلابه...ولئن استطاعت إسرائيل نهب الأرض الفلسطينية وسلبها فإن حق العودة القانوني وحق العودة البشري قادر على جعل المستحيل ممكناً. وأقرأ ذلك من واقع القوة الاقتصادية والقوة العلمية والقوة الإعلامية والقوة السياسية المتوفرة لرجال الشتات الفلسطيني في شرق العالم وغربه ولهذه القوة أن تتناغم مع قوة الانتفاضة في الداخل ليكتمل مشهد الفلسطيني الجبار بصورته المقاومة في الداخل ومراياها الممانعة في الخارج... ولقد قيل بأن بديل المقاومة هو الرضوخ لشروط التسويات الجائرة وأقول صارخاً لا بديل عن مقاومة الاحتلال إلا بالامتناع عن نوازع ثقافته ليبقى الحق المغسول بدمه هو شمس الحقيقة التي لا هوية لها.
دون الانتصار لها شهوداً وشهداء... أيها الفلسطينيون تناسلوا لتثقلوا الأرض بقداس الحق وكلمة الحقيقة وفي المعركة الفاصلة بين نظام المصالح ونظام القيم فإن الحق موعود بالنصر وعداً من السماء....