لي في فلسطين جهاز عروس
| أكاديمية دراسات اللاجئين |
د. ديمة طهبوب - سياسية وأكاديمية
جدتي الثمانينية امرأة "حمشة" و لكنها لا تنفك تستجيب لحركشاتي في سؤالها عن زواجها و كيف خُطبت لجدي بين ليلة و ضحاها نامت عزباء و صحت ليقولوا لها: مبروك انخطبت لابن عمك!!!
و الغريب أن خدود جدتي بعد خمسين سنة زواج و ثمانية اولاد و ترمل ما زالت تحمر خجلا و الان فقدنا الخجل من قبل و من بعد!!! و لا ريب فالاوطان تبرز أجمل ما فينا و بفقدها نفقد أشكالنا و هويتناو تراثنا!
أجمل قصصها عندما تتحدث عن جهازها و كيف فصلت ثلاث بدلات واحدة بيضاء و اخرى زرقاء و ثالثة زهرية و اثواب و ملكات و مخدات و لحف و فرشات و و و و مع استغرابي و سؤالي عن الحالة المادية لاهل فلسطين في الاربعينات و هل وجد من الحرفيين من يقوم بهذه الاغراض و جوابها الذي يصف حالة التطور و الازدهار الذي كانت تعيشه بعض المدن الفلسطينية الكبيرة و بالذات مدن الساحل
"طلعونا يا ستي عأساس يومين و راجعين" هكذا تقول جدتي و هي العبارة المتكررة التي سمعناها من كثير من اللاجئين الذين فروا من الحرب مؤقتا لحين استقرار الاوضاع
"تركت كل شي على حالو كل اغراضي زي ما هي" تشتكي جدتي التي لم تعرف وقتها ان طريق الخروج الاضطراري من فلسطين الذي سلكته يومها سيمتد بها الى ما لا نهاية و سيسلمها الى بلاد و صحاري و قفار لم تحلم ان تصلها يوم كانت عروسا تفاصل البائع على سعر قماش بدلاتها الثلاث و يوم غنوا لها كما تنشد لنا الان بحسرة:
قلي وين ازفك يابو عيون السود
عالصخرة الشريفة و عالنبي داود
قلي وين ازفك يابو عيون ملاح
عالصخرة الشريفة و عالنبي جراح
قصص جدتي فاطمة ليست بكائيات شخصية و لكنها ذاكرة شفوية تنقلها لابنتي فاطمة عبر اربعة أجيال لاجئة تبدأ بجدتي مرورا بأمي ثم بي ثم ابنتي فاطمة فقضية اللجوء الفلسطيني هي أطول قضية لجوء عرفها التاريخ فاللاجئون الفلسطينييون هم الوحيدون الذين لم يتمكنوا من العودة الى بلادهم بالرغم من صدور عشرات القرارات الدولية بحقهم هذا غير انهم اللاجئون الوحيدون الذين لا يتمتعون بحماية دولية بل اقتصر ما قدمه لهم المجتمع الدولي، المسؤول عن قرار التقسيم و ترسيخ نكبتهم، بخدمات الاغاثة و الاعاشة و التشغيل!!!
ستة و ستون سنة من اللجوء المرير و لكنها ايضا ستة و ستون سنة من توريث حق العودة و هو حق شخصي اولا و حق جماعي مقدس لا يملك أحد التصرف فيه و لا استبداله او مقايضته مهما كانت سلطته و مكانته فقد مات أناس و وصيتهم "انقلوا رفاتي معكم يوم تعودون" و هؤلاء لا يملك احد تغيير قرارهم بل ان البررة من الابناء و الاحفاد سيسعون لتنفيذ وصيتهم كما هي
ليست استطالة الزمن موجبة لليأس و ليس تطاول الظالم موجبا للاحساس بالخذلان فها هم اليهود أنفسهم يعلموننا درسا قاسيا في التمسك بالحقوق اذ يقول الدكتور رائد فتحي، الخبير المقدسي،" ان اليهوديُّ الّذي يُثبِتُ نسبته لأي عائلةٍ سكنت الأندلُس الإسلاميّة قبل قريبٍ من 600 عامًا يستحقّ الجواز الإسبانيّ و الدّراسات الأوّليّة تقول ان قريب من 3 مليون يهودي يستحقّون - بناءً عليه - الجوازَ الإسبانيَّ! و يتابع "إلى الآنَ لا اعتراض، فقد يكون حقًّا لهم و لكن ماذا عن حقّ العرب - مسلمين ومسيحيين - الّذين عاشوا هناك وطُردوا بعد محاكم التّفتيش، والأهم؛ ماذا عن اللاحئين الفلسطينيين الّذبن طُرِدوا من أرضهم منذُ أقلّ من 70 عامًا وليس 700 عام؟؟؟؟"
فلماذا ننسى حقنا و يذكرون باطلهم؟
أتمنى أن يطيل الله في عمر جدتي لتدخل بيتها مرة اخرى و ترى جهازها و مراتع صباها و تلك الزاوية التي كان جدي يغني لها فيها "يا بنت عمي انا بحبك"
فإن لم يكن فإني لن أنسى أن جهاز جدتي في قرية بيت صفافا من قضاء القدس ما زال ينتظرني لانزع عنه الغبار يوما و ان لم يكن ففاطمة ستذكر و ان لم يكن فابنة فاطمة و لن نفرط لا بالذكرى و لا بالحق حتى آخر جيل يعرف ان فلسطين كانت في يوم ماو ستعود كذلك في يوم حق مثلما كانت
لي في فلسطين جهاز عروس قتلوا فرحتها و شردوها في المنافي و لكن العرس الفلسطيني لا ينتهي فالحبيب اما ان يصل الى الحبيب او يستشهد و هو يحاول