الأكاديمية تقاوم من أجل فلسطين بسلاح العلم.. الحق في معرفة الحقيقة
| أكاديمية دراسات اللاجئين |
ياسين لهلالي - كاتب
لا يخفى على أحد ما للحقيقة من أهمية بالغة في نصرة القضايا العادلة التّي يناضل من أجل إثباتها الكثير من أصحاب العقول الرّاقية والقلوب الواعية. ولعل أكبر خيانة للإنسانية جمعاء وللقضايا العادلة خاصة على مرّ التّاريخ البشري هو تشويه الحقيقة الجلية وتزييفها ومحاولة طمس معالمها، والأسوأ من ذلك كله تقمص أثوابها والتزين بها على حساب بؤس أهلها.
القضية الفلسطينية أقلّ ما يقال عنها أنّها مأساة إنسانية، تعددت أبعادها وضاقت حلولها، وتقاذفتها الأهواء والأطماع، وذلك لما تكتسيه من أهمية بالغة سواء على مستوى الجغرافي أو التّاريخي، أو حتى بعدها الدّيني العقائدي. إذ ترجع جذورها إلى أكثر من ثلاثة آلاف عام، أي منذ قيام مملكة سليمان- عليه السلام- وحتى هذه اللّحظة، ولم تسلم من ادعاءات اليهود في أحقيتهم التّاريخية في أرض فلسطين بحسب ما تقتضيه نصوصهم الدّينية وشواهدهم التّاريخية، وبهذه الادعاءات يبررون تواجدهم فيها، بل ويزعمون أنّ الفلسطينيين اغتصبوا حقهم وكان لزاما أن تعود الأرض إلى أهلها الأصليين.
من هنا كان لسلاح العلم والمعرفة دور هام في تجلية الحقائق من التّشويه المتعمد، وتعرية الزّيف المغلف بأثواب الحقيقة من أجل بيانه لمن جهلها أو من استهواهم زيف الباطل، وتعطّلت بصائرهم عن معرفة نور الحق.
من أجل تجسيد هذه المعاني العميقة، والتعريف بأصحاب الحق، والدفاع عنه في الأرض، والتّاريخ والهوية، والتراث ورغيف الخبز في أروقة القدس، تأسست من رحم الشّتات "أكاديمية دراسات اللاجئين". بقيادة رشيدة وعقول واعية، مدركة ثقل المهمة التاريخية الملقاة على عاتقها.
شقت الأكاديمية طريقها بخطى ثابتة لتحقيق رؤيتها النبيلة، ورسالتها القيمة منذ تأسيسها حتى بلغت من العمر عشر سنوات، ترنو للكمال في الأساليب والطرائق والآليات عبر اعتماد التقنيات الحديثة لتجلية الحقيقة وإظهارها واضحة جلية، دون إغفال التقييمات والمراجعات لآليات وطرق العمل، حتى بلغ عدد منتسبيها 1500 فرد ينتمون لأكثر من ثلاثين دولة، ومن مستويات علمية مختلفة، وهي مع ذلك تطمح للأفضل ولزيادة الرقعة الجغرافية والانتشار أكثر.
سوف يتمحور حديثنا حول التسويق المعرفي والعلمي للقضية الفلسطينية من خلال بيان البرامج والآليات المنتهجة في سبيل تحقيق أهدافها، وذلك بالتعريف بمساقاتها المعرفية المختلفة والتي سيأتي الحديث عنها لاحقا.
أولا: التأسيس والأهداف.
انطلقت أكاديمية دراسات اللاّجئين رسميا سنة 2010م بالعاصمة البريطانية لندن، لتحمل على عاتقها التعريف بالقضية الفلسطينية عموما وبقضية اللاجئين الفلسطينيين بشكل خاص، لتشكل حراكاً ثقافياً يخدم فئات كبيرة من المهتمين بالشأن الفلسطيني من خلال إطلاعهم على تفاصيل هذه القضية. عن طريق اعتماد نظام تعليمي دقيق، منهجي، معد بعناية فائقة، وفق رؤية واضحة، ليتوافق مع الأهداف الموضوعة وفق الخط المعرفي العلمي المنتهج، ومن جملتها:
- بناء مساحة معلوماتية أكاديمية واسعة لدى الشريحة الأوسـع من الناس حول القضية الفلسطينية.
- تأهيل وتدريب مختصين في دراسات اللاجئين الفلسطينيين.
- دراسة قضية بيت المقدس وقدسيته، وتبيان الخطر الذي يتهددها.
- نشر ثقافة حق العودة وأدبيات ومفردات قضايا اللّجوء واللاجئين.
- إظهار معاناة اللاجئين الفلسطينيين في أماكن تواجدهم.
- نشر وتبني الدراسات الأكاديمية حول اللاجئين الفلسطينيين.
- يصبح لدى الدارس الخلفية العلمية والإحاطة اللازمة بافتراءات الصهاينة وأكاذيبهم بحقهم في أرض فلسطين.
- يتم تعريف الدارسين بخلفيات بروز القضية الفلسطينية وتطوراتها تاريخياً وسياسياً.
ثانيا: الرؤية والرسالة.
الخط المعرفي المنهجي لا بدّ له أن ينطلق من رؤية واضحة تحدد طموحات الأكاديمية وآمالها، ورسالة تتضمن الأهداف العامة التي يمكن تحقيقها في ظل الموارد المتاحة.
- الرؤيــــــة: أكاديمية عالمية ريادية متخصصة بالقضية الفلسطينية لتنمية مجتمع علم ومعرفة.
- الرسالة: أكاديمية غير ربحية تهدف لتثقيف وتوعية وتأهيل الفلسطينيين والعالم بالقضية الفلسطينية من خلال أحدث نظريات التعليم والتدريب والوسائل التقنية، يقدمها متخصصون ذوو خبرات أكاديمية ومهنية. وتقدم خدمات ومنتجات ومناهج متميزة تساهم في خدمة القضية ومجالات التطوير والتنمية.
ثالثا: آليات العمل
اعتمدت الأكاديمية آليات عمل محكمة لتنفيذ برامجها ومشاريعها تمثلت في الآتي:
- الاعتماد على البيئة الافتراضية في عقد برامجها.
- طباعة الكتب والمناهج الدراسية وتوزيعها وفق سياسة توزيع مدروسة.
- إتاحة مجموعة من الكتب والبرامج إلكترونياً.
- عقد الدورات التدريبية الميدانية.
رابعا: نظام الدراسة.
من أجل تحقيق أهدافها العلمية اعتمدت الأكاديمية نظاما يقوم على التعلم عن بعد، قائما على الفصول الافتراضية، ويقوم هذا النظام على برنامجين:
- نظام الفصول الافتراضيــــــــة.
- نظام إدارة التعلم عن بعد.
خامسا: دبلومات الأكاديمية
تميزت الأكاديمية بقدرتها على تحديد نوع المساقات العلمية التّي تحقق رؤيتها لكيفيات خدمة القضية معرفيا، فلم تكن مساقاتها مجرد استهلاك معرفي لا تعلق لها بالوقائع والأحداث، لأنّها تؤمن أنّ المقاومة المعرفية سند كبير للمقاومة المسلحة، فالتّعريف بالقضية وجذورها، وأساليب المحتل في تبرير وجوده على الأرض، وكيفيات انتهاكه لحقوق الأسرى، وقضايا المهجّرين قسرا من أراضيهم، وطرق سلبهم إيّاها ظلما وقهرا، وبناء المستوطنات مكانها، بالإضافة لفضح ممارسة الكيان المحتل عربيا ودوليا، كل هذا يعطي للقضية بعدها العربي والإقليمي والعالمي، ويشجع المنظمات الدولية الداعمة للقضايا العادلة على اتخاذ التّدابير اللازمة لمواجهة الكذب والبهتان والزور الممنهج لتغطية الحقائق.
أعظم عدو للقضايا العادلة هو التّعتيم الإعلامي والتّسويق لها على أنّها قضايا زائفة، وادعاءات باطلة، وإظهار الجلاد في مظهر الضحية الذي يستجلب التعاطف والمودة.
من هنا تجلى دور الأكاديمية كقوة تأثير عبر التّسويق الإعلامي في منصات التّواصل الاجتماعي، أو عبر منصاتها التعليمية- للحقيقة المرة عبر الحجج العلمية والبراهين العقلية والتّاريخية والقانونية؛ لتنكشف من خلالها الادعاءات الصهيونية الكاذبة.
اعتمدت الأكاديمية لتحقيق ذلك نوعين من الدّبلوم: دبلومات طويلة، ودبلومات مكثفة، تمنح في نهاية كل دبلوم شهادة تثبت أهلية المنتسب المعرفية في القضية الفلسطينية، مع توفير مكتبة رقمية ضخمة تشتمل على الكتب والبحوث المعينة للطالب في معرفته بالقضية وأبعادها في مختلف المجالات.
- الدبلومات الطويلة: وهي دبلومات تمنحها الأكاديمية مدتها سنة دراسية. تتكون من دبلومين هما:
- دبلوم الدراسات الفلسطينية.
- دبلوم دراسات اللاجئين.
التّحليل:
من خلال نوع المساقات المقدمة وطبيعتها، والمدة الزّمنية المقدرة لدراستها نخلص إلى أي مدى وصلت درجة الوعي لدى الطالب المنتسب للأكاديمية، والتّي تؤهله لمعرفة كل ما تعلق بالقضية الفلسطينية من جانبها الجغرافي والتّاريخي والقانوني، وكذلك كل ما تعلق بقضايا اللاجئين، والعودة، والأسرى وغيرها من أمهات المسائل الضرورية لدعم القضية معرفيا وقانونيا.
كلّما اتسعت دوائر المعرفة بالقضية كلّما تضاءلت الدّعاية الصهيونية الكاذبة أمامها، وتولد الشّعور بالانتماء للأرض والعقيدة، وبالتّالي تتسع دائرة المطالبة بالحق المسلوب، وإليكم جدولا يبين عدد المتخرجين من الدّبلومين خلال عشرية من الزمن:
جدول يوضح نوع الدبلوم، وعدد المسجلين، وعدد الخريجين من سنة التّأسيس إلى الآن.
من خلال الجدول يتبين لنا توسع دائرة الوعي بالقضية بالنّظر لعدد الخريجين الذين استفادوا من مساقات الدبلومين، أي ما مجموعه 20 مادة تعليمية موزعة عليهما، تناولت القضية ومتعلقاتها ممّا سبق تناوله.
هذا الكم المعرفي الهائل على مدار عام كامل من الزمن مع ما يضاف إليه من خدمة اجتماعية وبحوث أكاديمية مقدمة يمثل قفزة نوعية تخدم القضية علميا ومعرفيا، وتساهم في نشر الوعي بها.
- الدّبلومات المكثفة: وهي دورات تقدمها الأكاديمية مدتها ثمانية أسابيع تقريبا، تدرس قضايا مختلفة من أبعاد القضية
الفلسطينية، وسأتناول كل دبلوم من الزاوية المعرفية التي يقدمها
في ختام هذا المقال التعريفي بالآليات العلمية التي انتهجتها الأكاديمية عبر مسيرتها منذ تأسيسها عبر كل هذه المساقات العلمية المقدمة، والمرئيات الوثائقية، والصور الفوتوغرافية، والإصدارات العلمية المختلفة، وغيرها من الوسائل الحديثة التي تساهم في التّسويق للقضية الفلسطينية ورفع الظلم عنها، لأنّ المعارك الحديثة انتقلت من الأساليب التّقليدية إلى الأساليب العلمية المعرفية المؤثرة في الرأي العام الدولي والعربي، وحتى الدّاخلي، وخاصة ونحن نشهد حملات تشويهية للقضية عبر الترّسانة الإعلامية الصهيونية، ومن يسوق لها من بعض الدول العربية للأسف جهلا منهم بتاريخ القضية، وعلاقتها بالعقيدة الإسلامية وانتمائها للأمة الإسلامية.
يمكنني القول أنّ الأكاديمية استطاعت من خلال قوة ونوعية الحزم المعرفية المقدمة، وطرق تقديمها، وآليات عرضها، وكفاءة الأساتذة المؤطرين أن تؤسس لقوة مؤثرة في الوطن العربي، ولقاعدة معرفية علمية تجلت من خلالها الحقيقة المغيبة عمدا بفعل المحتل، وأن تستقطب أعدادا هائلة من المتكونين لديها والذي بلغ 11512 متكونًا يمثلون ثلاثين دولة، والملفت للنّظر نوعية المتكونين من الكفاءات المؤثرة في بلدانهم، وهذا في حد ذاته إنجاز كبير للقضية الفلسطينية، وقد لمست ذلك دون مبالغة من خلال الكلمات المقدمة من بعضهم في الثناء بجهود الإخوة العاملين في الأكاديمية.
على أن تسعى الأكاديمية لتطوير مهاراتها واستحداث أساليب جديدة، ومساقات أكثر عمقا، تعالج الشبهات الصهيونية التي تسوّقها الآلة الإعلامية، دون إغفال التوسع الجغرافي للتمثيل القانوني لها عبر الدول التي أثبت منتسبوها فاعليتهم في التّعامل مع مشاريعها، وبذلك تتوسع دائرة المعرفة، والتأثير والاستقطاب. مع بالغ تقديرنا لها على جهودها الفعالة ولأعضائها العاملين فيها.