حـق العـودة: الأب الياس زحلاوي
دعوني أصارحكم، بادئ الأمر، أني لحظة وافقت على المشاركة مع فضيلة الشيخ حسين شحادة في الحديث عن "حق العودة" إنما كانت تحدوني الرغبة أولاً في التركيز على حقيقة تاريخية مُرّة، يواجهها جميع العرب، ويتوقف عليها في نظري، لا مصير الأمة العربية وحسب، بل مصير العالم أيضاً، كما كانت تحدوني الرغبة ثانياً في طرح العديد من التساؤلات المقلقة، والرغبة في التقدم ببعض المقترحات العملية الملحة.
وأرجو ألا يفوتكم ألا صفة رسمية لي، إنما أنا مواطن عادي، يعنيه ما يعني كل إنسان عربي، بل كل إنسان مواطن اختار ذات يوم أن يكون كاهناً، كي يعانق بالروح والفكر والعمل، قضايا شعبه وأمته، لأنّي لا أستطيع فصل ما هو لله عما هو للإنسان، ولا سيّما الإنسان العربي.
ولأبدأ بالحقيقة التي وصفتها بالمُرّة.
1 ـ هذه الحقيقة التاريخية، بدت لي بديهية وصارخة، وهي أننا، نحن العرب، في معظم ما يتعلق بالشأن العام، أمة تخدّرها الكلمة، حتى أدمنتها كالأفيون، بحيث باتت الكلمة توهمُها غالباً، ولاسيّما في المفاصل الهامة، شخصيّة كانت أم جماعيّة، بأنّها حلّت مشاكلها بإحلال الكلمة محل العمل المطلوب.
فنطلق الكلمات الكبيرة، ونحوّلها إلى شعارات وخطب رنّانة، ثم نعود إلى ما نحن فيه، أو بالأحرى إلى ما وضعنا فيه.
وإذ بنا نُحجم عن الفعل المنتظر والضروري، ونظل نرجئ ونتخبّط ونقحم أنفسنا في متاهة التنقل من هروب إلى هروب، ومن ردّ فعل إلى ردّ فعل، ومن هزيمة إلى هزيمة، بل من قمّة إلى قمّة، نحن ننهار من قاع إلى قاع، وليس من تغيير يذكر، لا في العُمق ولا في البُعد....
يحزنني كعربي أن أقول ما أقول، بشأن حقيقة تاريخيّة أرى أن مجال تطبيقها من السعة بحيث يشمل حقبة طويلة من تاريخنا.
إلا أني أكتفي اليوم، من هذا المجال الواسع، بما يعني موضوعنا، وهو "حقّ العودة"....
ماذا عن "حق العودة"؟
في الدورة الثالثة من الجمعية العمومية للأمم المتحدة صدر القرار رقم 194، بتاريخ 11/12/1948، يقول "بإنشاء لجنة توفيق تابعة للأمم المتحدة، وتقرير وضع القدس في نظام دولي، وتقرير حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم، في سبيل تعديل الأوضاع، بحيث تؤدّي إلى تحقيق السلام في فلسطين في المستقبل..."
كلام جميل... لم يُنفذ منه ولا حرف واحد...
والكل يعرف أن جميع قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وهي تُقدَّر بالمئات، المتعلقة بحقوق الشعب الفلسطيني، لم ينفذ منها ولا قرار واحد... حتى قرار التقسيم خُرق منذ اللحظة الأولى...
بالمقابل نرى "حقاً للعودة" آخر، سبق قرار الأمم المتحدة بخمسين عاماً، وقد أعلن في مؤتمر بال الصهيوني، ووجد تطبيقه المطلق حتى اللحظة الحاضرة، خلافاً للإرادة العربية، وفي تحدّ شكلي وظاهري لقسم واسع من الإرادة الدولية في آن واحد...
هذا "الحق" يصفه أحد المراجع الصهيونية (الصادر في باريس عام 1976، بعنوان "الإسرائيليون " ضمن "موسوعة العالم المعاصر"، الصفحة 14) بأنه أحد البنود الأساسية في الدستور الإسرائيلي وهو بمثابة وثيقة الولادة الحقيقية لدولة إسرائيل، والمبدأ الأساسي في الصهيونية". وقد قال عنه دافيد بن غوريون:
"إن هذا الحق سبق دولة إسرائيل وهو الذي سيبني هذه الدولة".
قال ذلك وهو يطرحه على الكنيست كمشروع قانون، في ذكرى وفاة تيودور هرتزل، في 5 تموز عام 1950، وقد تبناه الكنيست قانوناً ينظم علاقات إسرائيل بجميع اليهود في العالم كله...
وكان "حق العودة" هذا اليهودي يشكل جزءاً لا يتجزأ من برنامج أول مؤتمر صهيوني عالمي عقد عام 1897، ثم أُدرج في البند السادس من نظام الانتداب البريطاني على فلسطين عام 1922، كما أدرج في إعلان استقلال دولة إسرائيل في 14 أيار 1948، وهو يقرر أمراً واقعاً حدتً نهائياً لتحديد هجرة اليهود إلى فلسطين، كما أنه خوّل قوة رجعية بحيث يمنح أي يهودي "حق العودة" ـ على ما في هذه التسمية من تناقض! ـ إلى فلسطين حتى لو لم يولد فيها.
وقد اتضح في ما بعد أن السياسة الغربية في الشرق كله، بُنيت بهدف إنشاء دولة إسرائيل وتدعيم بقائها واستمرارها وتفتيت الأمة العربية إلى دويلات، ينتهي معها كابوس الوحدة العربية، وبذلك يسهل ابتلاعها واستثمارها، وإخضاعها للغرب!...
بالطبع من شأن هذا "القانون الإسرائيلي" أن يثير أسئلة كثيرة وشائكة تدور كلها حول السؤال الأساسي: "من هو يهودي"؟...
دون الدخول في متاهة الإجابات الكثيرة وبشيء من الاختزال، حسبي أن أذكر ما ورد بهذا الصدد من كتاب وضعه بالفرنسية عام 1975، وصدر في باريس كاتب إسرائيلي شهير هو "إسرائيل شاحاق" والكتاب بعنوان: "عنصرية دولة إسرائيل".
في الفصل الثاني من كتابه هذا، يقدم الكاتب تعريفاً "للدولة اليهودية" في الصفحة 56 بالحرف الواحد:
في الدولة اليهودية، اليهود وحدهم يعتبرون بشراً، فيما غير اليهود هم بمثابة حيوانات... حيوانات أحياناً مفيدة وأحياناً ضارة، بل خطيرة. ثمة أناس يرون أنه لا يجوز التصرف بقسوة حيال الحيوانات وغيرا ليهود، وآخرون يرون أن مثل هذا الأمر لا يستحق الاهتمام، إلا أن كل من يؤمن بمبدأ اليهودية يوافق على أن غير اليهودي في الدولة اليهودية، ليس بإنسان)وفق تعريف الفيلسوف كانت: أي ليس غاية في ذاته) بل هو فقط وظيفة في خدمة المصلحة اليهودية.
وهذا ما كتبه عام 1975 إسرائيل شاحاق رئيس لجنة الدفاع عن حقوق الإنسان آنذاك! فماذا تراه يكتب لو كان يشاهد اليوم ما يجري في فلسطين... وامتداد في العراق وأفغانستان إلخ..؟ فهل الذي يقاوم هنا وهناك بشر أم حيوانات؟..
ألا ترون معي أن المفارقة هائلة ومفجعة؟
من جهة: قرار دولي ـ أعلنته أعلى مرجعية سياسية في العالم، بشأن حق عودة الفلسطينيين إلى فلسطين لا ينفذ منه ولا حرف واحد منذ أكثر من خمسين عاماً... وقد أعقبته مئات القرارات التي ضاعت في متاهات السياسة الإسرائيلية الأمريكية الغربية والعربية...
ومن جهة ثانية قرار يهودي محض يبتدعه أناس قلة، خرجوا به على القوانين جميعاً، يجد طريقه إلى التنفيذ حتى اللحظة الحاضرة في تحد سافر ودموي لجميع الدساتير والقوانين الدولية، وفي دعم سافر ودموي أيضاً من قبل أقوى دولة على الأرض، وفي دعم خجول وخبيث ولكن ثابت، من قبل الدول المسماة كبرى...
أفلا نرى، أن ما وصلت إليه البشرية اليوم من وضع مأساوي شامل بالغ الإزدواجية والوحشية، من جراء هذه المفارقة الهائلة والمفجعة، التي جرّت إليه الصهيونية العالم بأسره، هو ما انتهى إليه "إسرائيل شاحاق" من حيث التمييز بين اليهودي الذي يدّعي الاستئثار بالإنسانية دون سواه، فيما هو يعتبر كل ما عداه خادماً له أو حيواناً مستباحاً في سبيل مصلحته، كما عاد فأكد على ذلك أيضاً "ديفيد ديوك" عضو الكونغرس الأمريكي الأسبق، في كتابه المذهل: "الصحوة" الذي يحمل عنواناً صغيراً كبيراً هو:
"النفوذ اليهودي في الولايات المتحدة الأمريكية" والذي ندين بترجمته للدكتور إبراهيم الشهابي؟
أخيراً ألا ترون معي أن هذا الذي انتهت إليه البشرية اليوم، من وضع متفجّر يهدد العالم بأسره، هو هو ما سبق ورآه في استنتاج شبه نبوي، أحد كبار مفكري أمتنا العربية، التعيسة والعظيمة في آن واحد، منذ عام 1905؟
أذكركم بما جاء في كتاب نجيب عازوري "يقظة الأمة العربية"، الذي وضعه باللغة الفرنسية عام 1905، والذي لم يترجم إلى العربية إلا عام 1978!.
يقول نجيب عازوري:
"ظاهرتان هامتان لهما الطبيعة ذاتها، بيد أنهما متعارضتان، لم تجذبا انتباه أحد حتى الآن، تتوضحان في هذه الآونة، في تركيا الآسيوية، أعني: يقظة الأمة العربية، وجهد اليهود الخفي لإعادة تكوين مملكة إسرائيل القديمة على نطاق واسع. إن مصير هاتين الحركتين هو أن تتعاركا باستمرار حتى تنتصر إحداهما على الأخرى، وبالنتيجة النهائية لهذا الصراع بين هذين الشعبين اللذين يمثلان مبدأين حضاريين، يتعلق مصير العالم بأسره".
أوليس هذا هو بعينه ما عبّر عنه بوضوح مفاجئ، الرأي العام في أوربا في 3/11/2003 إذ أعلن أحد الاستطلاعات فيها أن إسرائيل هي الدولة الأولى التي تشكل أكبر خطر على السلام العالمي؟
أفلا تذكرون يومها كيف سارع معظم رؤساء الدول والحكومات في أوربا إلى تقديم الاعتذار إلى المسؤولين في إسرائيل، عن "مبالغات الرأي العام" لديهم؟...
2 ـ هذه الاستنتاجات المقلقة والخطيرة، تقودنا إلى مواجهة أسئلة أكثر إقلاقاً وخطورة... حسبي بعضها.
الأول: هل ما يزال الأمر يتعلق بحق العودة، أم يتعداه إلى حق البقاء؟
الثاني: هل ما يزال الأمر يتعلق بحق البقاء للعرب أم بحق البقاء للبشرية؟
الثالث: وهو الأكثر إيلاماً في نظري، هل ما يزال الأمر يتعلق بحق الدفاع عن حقنا في الوجود فوق أرضنا، أم بحق الدفاع عن كوننا بشراً وحسب، وفي آن واحد بحق الدفاع عن سائر المستضعفين في الأرض، كبشر؟
مثل هذه الأسئلة، وسواها كثير، تستدعي أسئلة أخرى مقلقة، مقلقة بسبب إرجاء الإجابة عنها من قبل من بيدهم الإجابة...
السؤال الأول: إزاء خطر محدق كهذا، هل رسمنا نحن العرب، خطة واحدة شاملة، أم ترانا لا نزال غارقين في ما "قسّم" الغرب، منذ قرابة مائة عام، لبعض زعمائنا وقبائلنا، من أرض وبشر، يسعى الغرب اليوم من جديد إلى تقسيمها استجابة لمصالحه وخصوصاً لمصلحة إسرائيل العليا؟...
السؤال الثاني: ترى هل بلغ بعض الزعماء العرب، من مدنيين وعسكريين وروحيين، حداً من ضعف الرؤيا، يمنعهم من التحديق بوضوح وبُعد نظر في سياسة غربية، تفتعل الزعماء وتستخدمهم لأغراضها فقط، وتؤلبهم الواحد على الآخر، وعلى شعوبهم، ثم تحطمهم لتستبدلهم بآخرين شرّ منهم، وسط بحر من الدم؟
السؤال الثالث: أي إعلام نُقدم نحن العرب، في طول الوطن العربي وعرضه، لهذا الرأي العام الغربي، الذي ينوء بعقدة ذنب متأصلة تجاه اليهود، والذي يسيطر عليه إعلام مدروس ومركز يخضع لتأثير صهيوني واسع، والذي برّر لإسرائيل ما لا يُبرر طوال عشرات السنين، والذي استيقظ قسم هام منه، بفعل البحث الذاتي لدى بعض المثقفين، ومنهم يهود، وبفعل إعلاميين غربيين قلة، ولكن آثروا الحقيقة والصدق على كل إغراء او تهديد؟ أجل هذا الرأي العام الغربي الذي يغشى شوارع أوربا وأمريكا، ماذا نقدم له نحن العرب من إعلام حتى اليوم؟
لا شيء! أجل لا شيء!
السؤال الرابع: أليس في هذا الغياب أو التغيب لإعلام عربي ذكي ومدروس، يخاطب الغرب والعالم بلغاته، في موضوعية، وبلغة الحقائق، لغز غريب، وربما سر مريب... في حين أن المليارات تنفق بسخاء في سبيل إعلام عربي عربي، لا يخلو على كل حال من ثغرات، بل من شبهات...؟
السؤال الخامس: هل بلغنا نحن العرب من الجهل لتاريخنا وفكرنا وروحنا وإسهامنا الحضاري، على صعيد الدين والثقافة والعلم والفن، وعلى صعيد احتضاننا الدائم لليهود، يوم كانوا يضطهدون بانتظام في الغرب كله، وعلى صعيد تعايشنا اليومي المسيحي ـ الإسلامي، وتعاوننا في السراء والضراء منذ قرون... أقول هل بلغنا من الجهل لكل ذلك ما يجعلنا نقف عاجزين، بل صامتين إزاء ما يصوره حتى اليوم إعلام غربي عن جميع العرب، وبوصفهم أبداً متخلفين، متوحشين، واليوم إرهابيين؟
السؤال السادس: أوليس لدينا ما نقوله أو نقدمه للغرب، كل الغرب، من حقائق بسيطة وجميلة حول تاريخنا، وحول نظرتنا إلى الوجود، ومفهومنا للحق والعدالة والأخوة بني البشر، وحول علاقتنا بالله وبالبشر، وحول ما نمارس من حياة يومية، ترقى بنا إلى مستوى إنساني يحسدنا عليه من يتعرف علينا من غربيين عاشوا بيننا، فنظروا من ثم إلى الشرق العربي باحترام، إن لم أقل بإكبار، وإن كانوا يأسفون كمواطنين غربيين، لما لا نزال عليه من تخلف وانقسام، يقرّون بأن للغرب مسؤولية كبيرة فيه...؟
حسبي من الأسئلة هذه.
3 ـ أود الآن تقديم بعض المقترحات، من وحي ما ورد في النقطتين السابقتين، وهي لا تعدو كونها أمنيات بقصد بناء جسور من التعارف والاحترام والتعاون، أولاً بين المواطنين العرب جميعاً، أياً كان انتماؤهم الديني، وثانياً بين الوطن العربي والعالم بدءاً من الغرب المهيمن.
اقتراحي الأول: أمنية سبق لي أن طرحتها على بعض المسؤولين من كنسيين وسواهم:
وهي أن يصار إلى عقد مؤتمر كنسي عالمي في إحدى العواصم العربية بقصد بسط حقائق الصراع العربي الإسرائيلي على أكبر قدر من المسؤولين الكنسيين والمفكرين في العالم.... فالمعروف أن الغربي، عندما يرى الحقيقة، لا يتخاذل... والكنيسة في الغرب، على انهيار المسيحية فيه، لا تزال تتمتع بتأثير واسع، فلا يجوز إسقاط هذا الجانب من حساباتنا أكثر مما فعلنا حتى اليوم... ولنا في مواقف قداسة البابا يوحنا بولس الثاني وبعض رجالات الكنيسة في الغرب خير مثال على ذلك....
أما الاكتفاء بلقاءات فردية مع هذا أو ذاك من رجالات الكنيسة في الشرق أو الغرب، فأمر لا بأس به ولكنه ليس بذي نفع يذكر.
كما أنه لا يجوز لنا إغفال أهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه الكنائس العربية، المقيمة في الأوطان، أو المهاجرة بشأن هذا التفاهم والتعاون مع الكنائس الغربية.
اقتراحي الثاني: إنه يطال بعض المثقفين والإعلاميين في الغرب، فهناك من كتب منذ زمان بعيد، وأحياناً في جرأة خارقة، ضد قيام إسرائيل، وبعضهم يهود مرموقون، وضد ممارساتها السابقة والحالية... أفلا يجدر بنا أن نسعى لجمع ما كتبوا فيها، كي يطلع الكثيرون على آرائهم وينشروها بدورهم؟
بالطبع مثل هذا العمل الثقافي يفترض أولاً تنظيم لقاءات إنسانية مع من تبقى منهم على قيد الحياة، ومع من يجاريهم فكراً ومواقف. وهذا يعني دعوتهم لزيادة البلاد العربية، لتكريمهم وتنظيم لقاءات لهم مع الناس فيها، من مسؤولين ومثقفين ورجالات دين، مسيحيين ومسلمين، وأناس عاديين.
اقتراحي الثالث: يأتي في امتداد عمل جوقة الفرح.
أعتقد أن الكثيرين منكم يعرفون جوقة الفرح، ويعرفون ما رمت إليه من خلال الترانيم الدينية العامة التي وضع ألحانها وديع الصافي واخترنا لها كلمات تتوجه إلى الله وحده، وتذكر كل إنسان بأن الله لا يمكنه إلا أن يكون إله الحياة والمحبة والرجاء فيتوجب على كل من يعتبر نفسه "من عيال الله" أن يكون بدوره حياة والمحبة والرجاء، لذاته ولجميع من حوله...
هذا النمط من الترانيم بنى جسوراً رائعة بين العديد من الناس في الوطن العربي، كما أنه أدهش الغربيين الذين استمعوا إلى جوقة الفرح، إن في أوربا عامي 1995، 1996، أو في استراليا مؤخراً...
وتعرفون دون شك أننا قمنا بنشاط مشترك مع الأستاذ الصديق حمزة شكور، فقدمت رابطة منشدي مسجد بني أمية وجوقة الفرح ثلاث حفلات مشتركة حتى الآن، اثنتان في دمشق، والثالثة في بيروت...
ونحن الآن بصدد إنشاء جوقة مشتركة ثابتة من رابطة منشدي مسجد بني أمية وبعض منشدي جوقة الفرح، تجوب العالم لتبرز وجه التعايش الإسلامي المسيحي في سورية أولاً، ولتدعو الناس إلى التوجه إلى الله بروح نقية سامية، وإلى البشر جميعاً بروح محبة شاملة.
بالطبع، إن أي عمل جماعي، كالذي أشير إليه، لا يعفي الإنسان، إذا استطاع، من أن يقوم بجهده الفردي الخاص. وبدوري، إذ شعرت بهذه المسؤولية، حاولت أن أقوم، بما أوتيت من قدرات، ببعض الأعمال: من تأليف مسرحيات هادفة، ومن كتابة متواصلة في الشأن الفلسطيني...
ويسعدني أن أختم لقائي معكم بنموذج من هذه الكتابات هو رسالة مفتوحة أرسلتها إلى وزير خارجية فرنسا السابق، دومينيك دوفيلبان، إثر القرار الذي اتخذته المجموعة الأوربية ليلة السادس إلى السابع من أيلول عام 2003، حول اعتبار الحركات الفلسطينية كلها، حركات إرهابية.
دعوني أتلو عليكم هذه الرسالة وأختم بها حديثي.
السيد الوزير:
دعني أسألك مباشرةً:
ما الذي حوّلك بين ليلة وضحاها من أسد زائر إلى أرنب مجتر؟!
بالأمس كنّا نحن المواطنين العرب، نتتبع مع الدنيا كلها تصريحاتك ومواقفك، حتى في قلب أميركا، بدهشة وإعجاب...!
وكنّا إذ نراك ونسمعك، نردد في أعماقنا وفي ما بيننا: ما زالت الدنيا في خير، ما زال في عمق الوجدان العالمي الأخذ في التفسخ، بقية من نبض قد يعيد إليه الحياة، وكنّا ندعو ونقول: عسى فرنسا تستعيد روح المقاوم العظيم شارل ديغول، لتبثها في الجسم الأوربي الناهض، قبل فوات الأوان.
وإذ بك تطلع علينا اليوم، السادس من أيلول 2003، باسم الاتحاد الأوربي، بقرار تصنيف "حركة حماس" المقاومة في عداد التنظيمات الإرهابية!
فما الذي تغيّر؟
هل لك ان تقول لي أي منطق بات يحكم في اوربا والعالم، بعد أن حكم الولايات المتحدة الامريكية؟
متى كان من يدافع عن أرضه، بل عما تبقى له من أرض سُرقت ومُزقت، وعن بيته، بل عن وجوده كله... إرهابياً.
ومتى كان من يسرق هذه الأرض وهذا البيت وهذا الوجود، صاحب حق؟!
السيد الوزير..
يوم كنت تناهض الحرب على العراق، هل تراك كنت تدافع فقط عن حصة فرسنا وأوربا في النفط العراقي؟
يا للسذاجة التي انتابتني مع الكثيرين الذين ظنوا انك كنت، باسم فرنسا وأوربا، إنما تدافع عن الشرعية الدولية أمام الوحش الأميركي.
فلقد تبين أنكم كلكم في الغرب سواسية!
وقد فاتنا يومها أن العراق ليس فلسطين!
إلا أن ما فاتكم في أوربا هو الأخطر. فلقد فاتكم أن النازية التي احتلتكم سنوات طويلة، جاء من يمحوها من ذاكرتكم، الصهيونية التي عرفت كيف تحتل ضمائر المسؤولين فيها وتشريعاتهم ومؤسساتهم وضمائر شعوبهم!
أجل، الويل لكم مما كان، ومن الآتي.
أبمثل هذه الخسة تهربون من احتلال ألغى وجودكم لتقعوا ضحية احتلال يلغي يوماً بعد يوم وجودكم الحق، ويسعى لإلغاء وجود الآخرين بأيديكم وتشريعاتكم وأسلحتكم... إلى الأبد؟!
يا للعار!
السيد الوزير:
كيف لك ولزملائك في الاتحاد الأوربي أن تفعلوا ما فعلتم اليوم، دون أن تتنكروا لتاريخكم وتاريخ شعوبكم في مقاومة الاحتلال النازي؟
ما لم تكن، أنت وبعض زملائك هؤلاء، تسعون لكرسي الرئاسة في بلدانكم، بأرخص الأثمان، على حساب ضميركم وحساب ما تبقى من فلسطين التي كنتم أنتم أصلاً، من قسّمها وقسّم معها العالم العربي، حليفكم السابق ضد ألمانيا وتركيا!
فدعني أهنئك وأهنئ زملاءك في الاتحاد الأوربي، لما تزرعون لذواتكم ولشعوبكم في أوربا الغد، من أسباب الذل والخراب، الزاحفين عليكم حتماً، بفعل انسحاقكم تحت أقدام الصهيونية والولايات المتحدة الأميركية.
وإلى ذلك، تدّعون مكافحة الإرهاب!
ألا ليتكم تكافحون أصل الإرهاب، ألا ترى معي أن سياسة الغرب هي أحد أهم أسباب الإرهاب في العالم؟ هل لك ان تقول لي من سواكم حوّل الشبان في فلسطين، قسراً إلى قنابل موقوتة، لا لشيء إلا لأنهم فقدواً كل شيء، ولم يعودوا يملكون سوى تفجير أنفسهم، أملاً منهم بإحداث تفجّر في الضمير العالمي؟
السيد الوزير:
قد تذكر أن أحد الفلسطينيين قال منذ ألفي عام، كلاماً رهيباً بحق من "يملكون هذه الدنيا"، كلاماً كنت أتمنى لمسؤولي الكنيسة في الغرب أن يردّدوه بين حين وآخر على مسامع المسؤولين السياسيين فيه، لعلّهم!..
فدعني أذكر لك بعضه. قال:
"الويل لكم أيها الأغبياء، لأنكم نلتم عزاءكم!
"الويل لكم أيها الشِباع الآن، فإنكم ستجوعون!
"الويل لكم أيها الضاحكون، فإنكم ستنوحون وتولولون!"
وقال أيضاً عن ساعة الوقوف المحتوم بين يدي الله الديّان:
"كل ما صنعتم لأحد إخوتي هؤلاء المستصغرين، فلي أنا صنعتموه!"
وقد لا تجهل أن هذا الفلسطيني العظيم كان يحمل اسم يسوع!
فدعني أبوح لك باعتزاز:
أننا مع يسوع الفلسطيني ومع كل فلسطيني!
السيد الوزير:
أود في الختام أن اقترح عليك وعلى المسؤولين في الاتحاد الأوربي، أمرين يأتيان، في نظري، في منطق قراركم "التاريخي" اليوم بحق "حركة حماس" والمقاومة الفلسطينية.
الأول: هو إدراج اسم المقاومين العظيمين ديغول الفرنسي وأديناور الألماني، في قائمة الإرهابيين الأوربيين، لأنهما كانا أعظم من قاوم هتلر.
الثاني: هو السعي الحثيث إلى إطلاق اسم تيودور هرتزل على أرقى ساحة في العالم، أعني بها ساحة النجمة في باريس.
ويوصفك وزير خارجية فرنسا، تقبّل ما أكنّ لفرنسا ديغول من احترام.