حق العودة في الوثائق والأعراف الدولية
حديثي عن حق العودة في الوثائق والأعراف الدولية يتضمن عدة نقاط، أولها أن المشكلة نشأت من أفكار هرتزل عن دولة اليهود والمشروع الصهيوني الاستيطاني الهادف إلى إخراج الناس من بيوتهم وجلب آخرين يحلون محلهم.
هذا هو جوهر المشروع الاستيطاني الصهيوني ؛ وثانيها أن وعد بلفور جاء في 29/ت2/1917 ليؤكد أفكار هرتزل، وثالثها أن انتداب بريطانيا على فلسطين في أعقاب الحرب العالمية الأولى جاء لتنفيذ المشروع الصهيوني الاستيطاني التوسعي.
إننا نعلم أن عملية تهجير الفلسطينيين وطردهم من ديارهم وأراضيهم قد بدأت قبل انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين في 15/5/1948. واستمر بعد هذا التاريخ إذ كان إنهاء الانتداب حينذاك بمثابة ضوء أخضر للقيادة الصهيونية كي تعلن عن إقامة دولة إسرائيل في التاريخ نفسه.
ونعلم كذلك أن الأمم المتحدة عينت وسيطاً دولياً من السويد اسمه الكونت فولك برنادوت لحل مشكلة اللاجئين، وجاء في تقريره ضرورة إعادة اللاجئين، فما كان من القيادة الصهيونية إلاَّ أن اغتالته في 15/9/1948 في وضح النهار أمام سمع العالم وبصره. ومع ذلك فقد أسفر تقريره عن صدور القرار 194 عن الجمعية العمومية للأمم المتحدة بتاريخ 11 /12/1948. ولابد لي من الإشارة إلى أن هذا القرار كان منسجماً مع المنظمة العالمية لحقوق الإنسان ومبادئها ومطالبها، ومع التجارب التي عرفتها الشعوب الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية حيث هُجر كثير من البشر، فنشأت منظمة اللاجئين الدولية التي أعادت اللاجئين إلى بلدهم. وكان مشروع برنادوت يدعو إلى تطبيق ما جرى في البلدان الأوروبية على فلسطين والفلسطينيين. ومن هنا نص القرار 194 على وجوب إعادة اللاجئين الفلسطينيين، ونص كذلك على إنشاء لجنة عرفت باسم لجنة التوفيق الدولية مؤلفة من عدة دول للمساعدة في عملية إعادة اللاجئين. وينسجم القرار 194 كذلك مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يمنح كل إنسان حقه في عودته إلى وطنه الذي خرج منه أو أُخرج لأي سبب كان. وجرى تأكيد القرار أكثر من مائة مرَّة حتى الآن. وبالتالي يصبح هذا القرار ملزماً دولياً نتيجة التكرار والتأكيد المستمرين.
ثم صدر القرار 242 الذي دعا الأطراف المتحاربين في العام 1967 إلى وقف القتال، مع النص على عدم جواز ضم أراضي الغير بالقوة، وعلى ضرورة تسوية مشكلة اللاجئين.
ومن المواقف الدولية البارزة التي تناصر حق اللاجئين الفلسطينيين في عودتهم إلى ديارهم وأرضهم هو ذلك الموقف الذي اتخذه مؤتمر " دربن " الذي ضم هيئات مدنية من جميع أنحاء العالم وشهده مسؤولون من دول عظمى، إذ أصر المؤتمر على وجوب إعادة اللاجئين الفلسطينيين إلى بيوتهم وأراضيهم ومزارعهم، ودعا المجتمع الدولي إلى العمل على تنفيذ القرار 194 المتعلق بعودة اللاجئين الفلسطينيين. صحيح أن المؤتمر لم يستطع إدانة الكيان الصهيوني بالعنصرية، ولم ينجح في إعادة تفعيل وإحياء القرار 3379 الذي يعتبر الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية. لم ينجح بذلك بفضل دعم أمريكا لإسرائيل كعادتها في كل المحافل الدولية، وتهديدها باتخاذ إجراءات ضد من يسعى إلى إحياء ذلك القرار. ومع ذلك اعتبرت إسرائيل إصرار المؤتمر على ضرورة إعادة اللاجئين الفلسطينيين بأنه إنذار لها بالدمار.
الواقع أن حق العودة ثابت في المواثيق والأعراف الدولية. وهذا أمر لا يمكن إنكاره. لكن هذا القرار لن يجد طريقة إلى التنفيذ ما لم تكن هناك قوة تدفعه في ذلك الاتجاه.
ومن المفارقات أن إسرائيل أعلنت التزامها بإعادة اللاجئين الفلسطينيين في العام 1949 عندما تقدمت بطلب عضوية إلى الأمم المتحدة لأن من شروط القبول أن تكون إسرائيل دولة مسالمة وتلتزم بإعادة اللاجئين إلى ديارهم ووطنهم. فقبلت ذلك وبالتالي قُبل طلبها وأصبحت عضواً في هيئة الأمم المتحدة بموجب القرار 273 تاريخ 11/5/1949. لكن سرعان ما تنكرت لذلك الالتزام، ولم تستطع الدول العربية إجبارها على تنفيذ التزامها، ولم تبذل دول العالم أي جهد يذكر لإلزامها به.
ومنذ أن بدأت محادثات السلام في مدريد في مطلع العقد الأخير من القرن العشرين شعر الفلسطينيون بالخطر يحدق بحق العودة. فنشأت لجان ومراكز عدة في مختلف أنحاء العالم، وفي البلاد العربية تعمل من أجل حق العودة. من هذه اللجان والمراكز مركز لندن للعودة، ومؤسسة سلمان أبو ستة ؛ وهنا في سوريا توجد مجموعة عائدون، ومجموعة 194، والهيئة الفلسطينية لحق العودة التي تقيم هذه الندوة والتي تتابع عقد الندوات في مختلف المحافظات السورية. هناك مؤتمرات كثيرة عقدت حول حق العودة كالذي عقده مركز دراسات الشرق الأوسط في عمان منذ حوالي سنتين. وظهرت مطبوعات كثيرة عن حق العودة. حتى في فلسطين المحتلة منذ العام 1948 عقد مؤتمر لحق العودة في حيفا شارك فيه كثيرون ونشرت صحيفة ديلي ستار البيروتية الصادرة بالانكليزية تقريراً مفصّلاً عنه ووصفته بأنه كان حاشداً جمع الفلسطينيين وبعض الإسرائيليين الذين يؤيدون الحقوق الفلسطينية.
يجب أن تهتم مؤسسات أهلية بحق العودة وتحاول إقناع الرأي العام العالمي بضرورة تنفيذه. وهذه مهمة ليست سهلة، وليس الطريق معبداً، ولكنه مفتوح أمام التوصل إلى نتائج إيجابية كما حصل في مؤتمر " دربن " فما من أحد يستطيع التشكيك بهذا الحق أو التنازل عنه.ولكن هناك من يرى أن هذا الحق ربما يضيع بالتقادم، خصوصاً إذا لم يكن هناك من يدافع عنه ويطالب بتنفيذه يومياً.
وقد حدثني السيد نجم الدين الرفاعي، المقيم في حلب، وهو من الشخصيات السورية السياسية البارزة التي عملت في الأمم المتحدة ؛ حدثني عن محاولة قامت بها الولايات المتحدة في العام 1953 لإلغاء القرار 194 لولا أن تابعه هو والأستاذ أحمد الشقيري، الفلسطيني، الذي كان ضمن الوفد السوري حينذاك إلى الأمم المتحدة.
ويجب ألا ننسى أن الولايات المتحدة استطاعت في العام 1991 إلغاء القرار 3379 الذي يساوي الصهيونية بالعنصرية، وكانت تلك بادرة غير مسبوقة في تاريخ الأمم المتحدة. ومن يضمن أن تتكرر هذه المحاولة لإلغاء القرار 194 وغيره من القرارات التي تعتبرها الصهيونية وأمريكا في صالح الشعب العربي الفلسطيني وقضية العودة، إن لم تتواصل الجهود المنظمة والموحدة من أجل إحباط أية محاولة من هذا القبيل ومن أجل وضع حق العودة موضع التنفيذ؟!.
وكانت الذريعة التي صدقها بعض العرب هو أن إلغاء القرار 3379 يمهد الطريق أمام عملية السلام، ولولاه ما عقد مؤتمر مدريد. ولكن لنتساءل ماذا كانت النتيجة؟ القرار ألغي والسلام لم يتحقق. فمن يدري إن كانوا سيخرجون علينا بذريعة مماثلة؟. لذلك لابد من الحذر، ولابد من الاستمرار في العمل من أجل حق العودة.
حتى القرار 242 يتعرض لمحاولات تعديله وإخراجه عن المدلول الذي صدر من أجله. ألم تصرح إدارة بوش في 14/12/2003 بأن العودة إلى حدود العام 1967 ليست ضرورية؟ فما معنى ذلك؟ ثم ألم يصرح الرئيس الأمريكي بوش بأن عودة اللاجئين الفلسطينيين تعني العودة إلى دولتهم، التي ستقوم في المستقبل، وليست إلى إسرائيل ؛ وماذا يعني ذلك أيضاً؟
هناك محاولات من جهات معينة لاحتواء حق العودة كأطراف وثيقة جنيف، وهذه أمور يمكن بحثها بالتفصيل في وقت لاحق.
وأحب القول هنا أنه من المناسب جداً، بل من الضروري والمفيد أن يكون هناك برنامج جدي لمحاولة إعادة الأمور إلى نطاقها الطبيعي، إلى القرار 242 والقرار 194.
وثمة مناسبات عديدة يمكن الاستفادة منها. فمثلاً لابد من مخاطبة اللجنة الرباعية، والإعلان عن رفض ما صرح به بوش بشأن عودة اللاجئين والمستوطنات. كما ينبغي مخاطبة قمة الدول الصناعية، وحشد الجهود لإظهار القضية العربية متماسكة وقوية.
وأخيراً أقول إن المعوَّل عليهم بالدرجة الأولى في العمل من أجل العودة هم اللاجئون الفلسطينيون الذين يجب أن يبذلوا كل ما بوسعهم وكل ما لديهم من طاقات، والتوجه إلى جميع الهيئات الأهلية والرسمية الفلسطينية والعربية والدولية من أجل هذا الحق المقدس.