اللاجئون الفلسطينيون وحق العودة والتعويض في القانون الدولي
د. هواش شاهين
يرتبط الحديث عن حق العودة بالحديث عن حقوق الإنسان وحق تقرير المصير ومبادئ الأمم المتحدة وقراراتها. وعندما نتحدث عن حق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة فهذا يعني وبالتأكيد وجود وطن لهؤلاء اللاجئين يسمى فلسطين أجبروا على مغادرته بوسائل شتى من الإرهاب والقتل والطرد ومصادرة الأراضي وغير ذلك من الوسائل الهمجية التي ترفضها الشرائع الدولية كافة.
إن أي حل للقضية الفلسطينية لا يمكن أن يكون كاملاً وعادلاً ودائماً إلا بعودة اللاجئين إلى ديارهم التي طردوا منها قسراً والتعويض عليهم (وليس أو التعويض عليهم. فحق العودة يستند إلى حق أي إنسان بالعيش في وطنه بحرية تامة وحمايته وفقاً للشرائع الدولية، أما الحق في التعويض فهو مرتبط بالأضرار التي تعرض لها اللاجئون الفلسطينيون مادياً وجسدياً وكذلك الحال وربما الأهم في العصر الحديث وهو التعويض عن الضرر المعنوي الناجم عن معاناة الفلسطينيين بشكل عام واللاجئين منهم بشكل خاص والتي بدأت منذ قيام العصابات الإرهابية المؤسسة للكيان الصهيوني بأعمال القتل والإرهاب للفلسطينيين وازدياد هذه الأعمال مع نشوء هذا الكيان العنصري وحتى يومنا هذا.
إن موضوع حق عودة اللاجئين والتعويض عليهم واسع جداً ومهم جداً ويمكن اعتبار حق العودة المحور الرئيس لإيجاد أي حل عادل ودائم للقضية الفلسطينية. وبما أن القرارات الدولية التي تؤكده عديدة أيضاً فمن الصعب بل من المستحيل تغطيته في لقاء قصير لأنه يحتاج إلى الكثير من التعمق والدراسة والتحليل والنقاش لإظهار جوانبه ومؤيداته القانونية كافة، إلا أن هذا لا يمنعنا من القيام بجزء من واجبنا القومي وتسليط الضوء على بعض جوانبه الرئيسة على سبيل المثال وليس الحصر وذلك استناداً ووفقاً لقواعد القانون الدولي المعمول بها والقرارات الدولية المتعلقة بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين والتعويض عليهم.
أولاً ـ حق العودة وحق تقرير المصير:
إن حق تقرير المصير مبدأ أساسي من مبادئ الأمم المتحدة الواردة في ميثاق المنظمة الدولية. وقد أكدت ذلك المبدأ الفقرة الأولى من المادة الثانية من الميثاق. ومع ذلك فلم تقم الأمم المتحدة بدورها بشكل فعال وحقيقي لمساعدة الشعب العربي الفلسطيني للتمتع بحقه المشروع لتقرير مصيره أسوة ببقية الشعوب المستعمرة، بل على العكس من ذلك فقد أصدرت منظمة الأمم المتحدة متمثلة بمجلس الأمن والجمعية العامة قرارات مجحفة أو منقوصة بحقوق الفلسطينيين ومنها على سبيل الذكر لا الحصر:
1ـ القرار رقم (181) الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 29/11/1947:
الذي تضمن التوصية بخطة لتقسيم فلسطين. وقد خالفت الجمعية بذلك ميثاق المنظمة حيث سلبت في هذا القرار الشعب العربي الفلسطيني حقه في تقرير مصيره، الأمر الذي سمح فيما بعد بقيام الدولة الصهيونية العنصرية واعتراف المجتمع الدولي بها. وهكذا يتضح أن المنظمة الدولية ساهمت في تكريس وتعميق الوضع المأساوي للشعب الفلسطيني بشكل مباشر وغير مباشر.
2 ـ القرار رقم (194) تاريخ 11/12/1948:
جاء في الفقرة (11) من هذا القرار أن الجمعية (تقرر وجوب السماح بالعودة في أقرب وقت ممكن للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم، ووجوب دفع تعويضات عن ممتلكات الذين يقررون عدم العودة إلى ديارهم وعن كل مفقود أو مصاب بضرر، عندما يكون من الواجب وفقاً لمبادئ القانون الدولي أن يعوض عن ذلك الفقدان أو الضرر من قبل الحكومات أو السلطات المسؤولة)، ودفع تعويضات عن الخسارة والضرر الذي أصاب الممتلكات لإصلاحها، وإرجاعها إلى أصلها.
كما تم في القرار ذاته إنشاء لجنة التوفيق الخاصة بفلسطين وأناط بها القرار مهمة تسهيل عودة اللاجئين وتوطينهم من جديد وإعادة تأهيلهم الاقتصادي والاجتماعي ودفع التعويضات لهم.
ومع ذلك فقد قصرت الأمم المتحدة في إيجاد آلية واضحة وملزمة لتنفيذ هذا القرار بصورة واضحة حيث لم تقم المنظمة باتخاذ قرار من الجهاز التنفيذي فيها وهو مجلس الأمن يفرض على الكيان الصهيوني الالتزام بتنفيذ القرارات الدولية الصادرة عن الجمعية العامة، وبالتالي بقيت قراراتها حبراً على ورق في كل ما يتعلق بحقوق الشعب الفلسطيني. ومن المعلوم أن الكيان الصهيوني لم يكترث بأي من القرارات الدولية ومع ذلك فقد تم قبول (إسرائيل) عضواً في الأمم المتحدة.
3 ـ قرار قبول (إسرائيل) عضواً في الأمم المتحدة:
صدر قرار الجمعية العامة رقم 273/تاريخ 11/5/1949، يقضي بقبول (إسرائيل) عضواً في الأمم المتحدة، بعد قبولها الالتزام بإعادة اللاجئين، ومع ذلك لم تنفذ هذا القرار، وبالتالي فإن شرعية عضويتها مطعون بها.. إن عدم إلزام الأمم المتحدة لإسرائيل بتنفيذ قراراتها يعني أن المنظمة الدولية شجعت الدولة الصهيونية على المضي قدماً في تنفيذ سياستها الاستعمارية والاستيطانية على حساب أصحاب الأرض الحقيقيين، وهذا من شأنه أن يؤدي إلى الاستمرار بتحويل حق الشعب العربي الفلسطيني بتقرير مصيره على أرضه ووطنه إلى قضية لاجئين يتم البحث فيها من ناحية إنسانية واقتصادية فقط.
ومن الجدير بالذكر أنه ليس من الصعب من الناحية القانونية تحميل (إسرائيل)، بل ومعها الأمم المتحدة، المسؤولية عن نشوء قضية اللاجئين الفلسطينيين واستمرار معاناتهم. فالقواعد القانونية تتطلب لإعمال المسؤولية وجود رابطة سببية بين فعلٍ والنتيجة التي أدى إليها، وهذا ما يتضح من قيام العصابات الصهيونية ودولة الاحتلال بأفعال إجرامية أدت إلى إجبار الشعب الفلسطيني على مغادرة أرضه، ورغم ذلك فقد ساهمت الأمم المتحدة في إنشاء (إسرائيل) واعتراف المجتمع الدولي بها.
ومع أنه من الواضح تقصير الأمم المتحدة في حماية الشعب الفلسطيني والسماح له بتقرير مصيره فإن لبعض القرارات أهمية من حيث ربط قضية عودة اللاجئين بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وضرورة تمتعه بحقوقه غير القابلة للتصرف. وأهم هذه القرارات القرار رقم (3236) تاريخ 22/11/1974 الذي يؤكد على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره دون تدخل خارجي والحق في الاستقلال والسيادة الوطنيين، وهذا القرار يؤكد أيضاً حق الفلسطينيين غير القابل للتصرف في العودة إلى ممتلكاتهم التي شردوا منها واقتلعوا منها وتطالب الجمعية فيه بإعادتهم إلى وطنهم.
وقد تتالت القرارات التي تؤكد هذه الحقوق ولكن دون وجود أية آلية فعالة لتنفيذها وهو ما أدى ويؤدي في نهاية الأمر إلى تجاهلها جميعاً وبما أن إسرائيل لم تلتزم بهذه القرارات وبتعهداتها باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة التي تم قبولها عضواً فيه فقد كان من المتوجب أن تقوم الأمم المتحدة بطرد إسرائيل من عضويتها لأن احترام القواعد القانونية الدولية شرط لابد من توافره في قبول أعضاء الأمم المتحدة.
ثانياً ـ العودة أو التعويض والتوطين:
تعددت قرارات الأمم المتحدة التي تطالب (إسرائيل) بإعادة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم. وقد عبرت هذه القرارات عن أسف الجمعية الشديد لعدم إعادة اللاجئين إلى أوطانهم أو تعويضهم ومنها القرار رقم (3089) تاريخ 7/12/1973 الذي عبرت فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة عن أسفها لعدم تنفيذ القرار رقم (194) تاريخ 11/12/1948 وأكدت فيه أيضاً حق النازحين في العودة إلى ديارهم التي شردوا منها نتيجة عدوان 1967. وأهاب (بإسرائيل) أن تسهل عودة السكان الذين فروا من مناطقهم منذ نشوب الأعمال العدائية.
إن جميع القرارات التي سبقت غيرها لا تخلو من الأهمية وذلك لتأكيدها على حق العودة والتعويض وحق تقرير المصير. ومن الأهمية بمكان في هذا المجال التذكير بأن حق العودة والتعويض حقان متلازمان ومترابطان من حيث أنهما حقان للشعب الفلسطيني بأكمله وحقان لكل لاجئ فلسطيني شرد من دياره ولكل نازح أيضاً.
ومن الناحية القانونية فلابد من التذكير أيضاً بأساس كل حق. فحق العودة يرتبط بحق أساسي لا ينفصل عن حق تقرير المصير وحق التعويض هو حق يرتبط بالأضرار التي تعرض لها الشعب الفلسطيني جماعة وأفراداً منذ اقتلاعه من أرضه وممتلكاته وهو يشمل أيضاً التعويض عن الأضرار المادية والجسدية التي تعرض لها اللاجئون الفلسطينيون والنازحون، كما يشمل التعويض عن الأضرار المعنوية التي لا تقل أهمية عن الأضرار المادية وفقاً للاتجاهات الحديثة في القانون المعاصر. ومن هنا يجب عدم الحديث عن حق العودة أو التعويض بل عن حق العودة وحق التعويض لأن أساسهم القانوني مختلف من حيث الموضوع والجوهر.
ثالثاً ـ حق العودة وحق التصرف:
بما أن العودة والتعويض هما جماعيان للشعب الفلسطيني كوحدة بشرية وحقان لكل إنسان فلسطيني لاجئ فإن التنازل عن أحدهما أو عنهما لا يمكن أن يتم من الناحية القانونية إلا بموافقة أصحابهما الشرعيين. حيث من يملك الحق يملك حرية التنازل عنه شريطة أن يكون حر الإرادة وغير مقيد، وهذا لا ينطبق على الشعب الفلسطيني المشرد والذي طرد من أرضه ودياره التي اغتصبتها عصابات القتل والإرهاب واستكملت احتلالها قوات الكيان الصهيوني العنصري المصطنع.
وهكذا فلابد أولاً من إعادة اللاجئين إلى أرضهم وديارهم في فلسطين التاريخية وإعادة الحرية لهم على هذه الأرض كي يستطيعوا التعبير بإرادة مطلقة عن مطالبتهم بالتعويض عن الأضرار المادية والمعنوية التي لحقت بهم منذ طردوا من وطنهم.
وبما أن حق العودة والتعويض حقان متلازمان للشعب الفلسطيني كمجموعة وأفراد فإنه من غير المعقول أو المقبول أن يتم التصرف بحقوقهم التي نصت عليها القرارات الدولية. وهذا ما ينطبق أيضاً على حق تقرير المصير غير القابل للتصرف أيضاً. والقرارات التي تؤكد هذه الحقوق كثيرة جداً ولا نجد هنا مجالاً لذكرها وتحليلها برمتها.
والمهم أن حق الملكية هو حق لا يستطيع أن يتنازل عنه إلا من يملكه وبالتالي فإنه لا يحق لأية جهة مهما كانت أن تتنازل عن حقوق الشعب الفلسطيني في العودة وتقرير المصير والتعويض (وليس فقط في العودة أو التعويض). وإنه بالإمكان القول إن كل جهة تخالف ذلك تكون قد تعدت على حقوق الشعب الفلسطيني برمته وحقوق اللاجئين جميعاً، وتكون قد قامت بما يماثل ما قامت به بريطانيا بوعد (بلفور المشؤوم) وذلك بمنحها أرضاً لا تملكها عصابات ليس لها الحق فيها وكذلك ما قامت به الأمم المتحدة بإصدار قرار التقسيم رقم (181) تاريخ 29/11/1947 حيث تصرفت بأرض فلسطين التي لا تملكها دون حق ودون استفتاء الشعب العربي الفلسطيني صاحب الحق في أرضه ووطنه وتقرير مصيره بنفسه وبملء إرادته.
وفي الختام لابد من القول هنا أن ما كتب في هذه الأسطر ليس إلا جزءاً يسيراً مما يمكن كتابته وتحليله في موضوع حق العودة وما يستحقه من عناية واهتمام كواجب قومي.