الحق ـ وعي الحق ـ واجب الأخذ به
يحيى عمايري،
الحق قيمة تعلو جميع القيم بما فيها القيم العقلية والفكرية التي ما كان لها أن تأخذ هذه المكانة الرفيعة إلا لأنها تثبت ذلك الحق فالحق واحد واضح عند العقلاء الموضوعيين من البشر، والباطل كثير متعدد عند المعتدين المدَّعين.
وعندما رأى العقلاء الموضوعيون من بني البشر أساليب المعتدين المدّعين ومن أساليب الطغيان والعدوان على حقوق الإنسان، انطلقوا ممّا يجمع أعضاء الأسرة البشرية من كرامة أصلية فيهم متساوية وثابتة تشكل أساس الحرية والعدل والسلام فأقروا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كي يكون الجميع على فهم مشترك لهذه الحقوق باعتبارها المثل الأعلى المشترك الذي ينبغي أن تبلغه الشعوب والأمم كافة والعمل بالتعليم والتربية على توطيد احترام هذه الحقوق.
حق الفلسطينيين العرب في أرضهم حق وجودي، فهم أصحاب الأرض يعيشون عليها منذ آلاف السنين، وحق العودة للاجئين والنازحين منهم في العودة إلى أرض آبائهم وأجدادهم حق مقدس وواجب مشروع.
لكن الحق لكي يظهر يحتاج إلى قوة وعي بهذا الحق وتربية مستدامة بوعي الحق، والإصرار عليه والتصميم على واجب الأخذ به كي يشكل حاضراً له توهجه الدائم مادام مغتصباً ومعتدى عليه. فما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، بكل معانيها وعلى رأسها وعي هذا الحق.
وعي الحق يقتضي أن نعرف أن مشكلة فلسطين ليست مشكلة دولية، إن فقه القانون الدولي مليء بالنظريات عن الاعتراف بالدول وطبيعته المنشئة أو المقررة أو المختلطة، وبآثارها الملزمة فيما بين الدول المعترف بها والدولة أو الدول المعترفة ولكن ليس في فقه القانون الدولي ولا في قواعده ولا في تطبيقاته ما يجعل لاعتراف دولة بدولة ثانية أثراً ملزماً لدولة ثالثة لم تعترف بها. إذ أن القاعدة الأساسية التي يقوم عليها كل بناء القانون الدولي هي أن الدولة لا تلتزم إلا بإرادتها الخاصة.
وعي الحق يقتضي أن نعرف أنه لما كانت الأمة العربية تكويناً تاريخياً فإن اشتراك الشعب العربي في الوطن العربي هو مشاركة تاريخية بين الأجيال المتعاقبة وهذا يعني أنه ليس من حق الشعب العربي كله مُجْتَمِعاً ومنفرداً أن يتنازل عن أرض فلسطين ولا بالتنازل عن العودة إلى فلسطين، لأن هذه الأرض ملك مشترك للأجيال العربية القادمة.
ومن هنا يبرز المكافئ الموضوعي للحق وهو واجب الأخذ به والتصدي لمن يقف في طريق تحقيقه. إنه واجب فردي وطني قومي ديني إنساني:
حق إنساني كفلته المواثيق الدولية ابتداءً من الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة إلى مجلس الأمن الدولي بالقرار 194 بتاريخ 11/12/1948.
واجب ديني أكدته الهيئة الإسلامية المسيحية في 22/7/2000 بأنه قضية العرب مسلمين ومسيحيين الذين ارتبطوا بروح التضامن الإسلامي المسيحي عبر التاريخ العربي وإنه قضية عادلة عربية.
واجب أكدته الفتوى الشرعية للمفتي العام للقدس والديار الفلسطينية التي حذّرت من التعويض فحرّمته، وفرّقت بين التعويض عن الأرض والتعويض عن الأضرار التي لحقت باللاجئين الذين هجروا عن ديارهم بغير حق.
واجب قومي لأن دولة الوحدة العربية لا تكتمل وجوداً مادامت أرض فلسطين مغتصبة ومادامت الصهيونية ترفض حق عرب فلسطين في العودة إلى أرضهم.
النتيجة هنا هي عدم شرعية التنازل عن حق العودة.
واجب فردي وهو الأساس، لأن الإرادة الشخصية بالعزم والتصميم على انتزاع الحق من مغتصبه هو العامل الفاعل والمؤثر الذي ينقل الفكرة إلى واقع والنظر إلى تطبيق ومن هنا جاءت مبادرة الهيئة الفلسطينية لحق العودة.
تتجسد هذه الإرادة مبدئياً ببطاقة القرار الوطني الشعبي الفلسطيني التي هي محصّلة القرارات الإرادية الفردية التي تصمم وتعزم على العودة إلى أرضها وطن الآباء والأجداد.