حق العودة: الواقع والطموح
د. أسامة النقيب
بعد سنتين من انتهاء الحرب العالمية الثانية صدر قرار بتقسيم فلسطين العربية إلى دولتين إحداهما يهودية، ومنذ ذلك الحين والقضية الفلسطينية على جدول أعمال الجمعية العمومية للأمم المتحدة بشكل دائم سنوياً إضافة إلى ما يستجد من أحداث تستدعي البحث الدولي.
وقد أُطلِقَ على هذا الموضوع عنوان الصراع العربي الإسرائيلي ومن ثم الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وقد غُيب الاسم الحقيقي وهو الاستعمار الصهيوني اليهودي لفلسطين العربية ولم يكن ذلك إلا بهدف تصوير جريمة الغزو الاستيطاني على أنها نزاع بين طرفين، ولكل طرف حقوق ربما نقصت أو رجحت على حقوق الطرف الآخر.
من هنا بدأت أكبر عملية تزوير في القرن العشرين ومازالت فصولها تتوالى وتتفاعل حتى حجبت أصل المشكلة وتعلقت بتفاصيل جزئية لا يشكل حلها أي تخفيف للجريمة الأصلية.
ومن هنا أيضاً فإن بحث التفاصيل والمشاكل الجانبية وحتى بعض النتائج الناجمة عن هذا الاستعمار بمعزل عن إطارها الأوسع أو مرجعيتها التاريخية الحقيقية والمتعلقة بواقع جغرافي وتاريخي مستند إلى شهادة عالم كامل وليس مستنبطاً من روايات تفتقد كل الأسانيد التاريخية وتلجأ إلى التفسيرات المغالية في عنصريتها أو تطرفها أو أصوليتها.
إن بحث هذه التفاصيل بهذه الصورة هو انتقاص مهين لكرامة القضية الفلسطينية وقدسيتها.
كيف حدثت عملية التزوير هذه؟
اقتسمت بريطانيا وفرنسا «وإن بشكل متفاوت» تركة الرجل المريض بعد الحرب العالمية الأولى، فوقع إقليم فلسطين تحت الانتداب البريطاني الذي عمل منذ اللحظة الأولى على تغيير الواقع فيه، وذلك بسن القوانين المواتية للجالية اليهودية الصغيرة في فلسطين ومن ثم فتح باب الهجرة غير الشرعية إليها. وقد توج اللورد بلفور هذا المسعى بكتاب شخصي إلى حاييم وإيزمان يبلغه فيه أن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين متبعاً ذلك بما اعتبِرَ حماية للمصالح العربية في فلسطين حيث قال: «على ألا يضر ذلك بمصالح الجاليات الأخرى». وكانت هذه الجملة الأخيرة تشكل اعترافاً بأن اليهود هم الأصل في فلسطين رغم كونهم أقلية ضئيلة جداً.
وحتى يستقيم هذا الوعد بدأت بريطانيا بتسهيل استيطان
فلسطين لتؤمن توازناً سكانياً يحتمل مثل هذا الوعد ويساعد على تنفيذه. وجاءت الحرب العالمية الثانية التي برزت فيها قوة الولايات المتحدة الأميركية فسارع اليهود إلى نقل مركز نفوذهم إلى
أمريكا وبدأت الحماية الأمريكية للمصالح الصهيونية في فلسطين، وكان من أولى ثمرات هذه الحماية إقامة دولة إسرائيل بقرار التقسيم الذي تبنته أكثرية بصوت واحد فعل فيها الترهيب والترغيب الأمريكي ما فعل.
اهتز استقرار المنطقة العربية بعد قيام إسرائيل ولم تعد تعرف السلام والطمأنينة. فلقد أدى تدخل الجيوش العربية الضعيفة (وكان بعضها حديث الاستقلال، ضعيف التدريب، وبعضها كان مرتبطاً بزعيمة الاستعمار التقليدي «صديقة العرب» منذ الحرب العالمية الأولى وكانت نتيجة ذلك تكريس دولة إسرائيل كقوة فاعلة في المنطقة واعتبار التدخل العربي عدواناً عليها مع ما رافق ذلك من تضخيم إعلامي لقوة الدولة الناشئة وبطولتها.
ومنذ ذلك الوقت وإسرائيل تخوض حروباً دفاعية، حسب زعمها، أدت بها إلى احتلال سيناء ثم الضفة الغربية وغزة والجولان وجنوب لبنان. وكانت حماية الولايات المتحدة لها سياسياً ودعمها الاقتصادي والعسكري الذي يفوق كثيراً حجمها مدعاةً لخروجها على القانون الدولي واستخفافها بقرارات هيئة الأمم ومجلس الأمن اعتماداً منها على مظلة حق النقض الذي أفرطت الولايات المتحدة باستعماله على حساب هيبتها ومصداقيتها. ولقد أدى التقدم العلمي والتكنولوجي الهائل في الولايات المتحدة إلى قيام مؤسسات وشركات عملاقة خاصة في مجال صناعة الأسلحة والطيران تبلغ ميزانيات بعضها ما يعادل ميزانية عدد من الدول من عالمنا.
ونتيجة لذلك فقد أفرزت هذه الشركات ودربت مجموعات من الاقتصاديين والسياسيين والباحثين الذين يعملون لحسابها، وظيفتهم الرئيسية إقناع الشعب الأمريكي بأن مصالح هذه الشركات هي مصلحة الشعب نفسها.
وكان هؤلاء الخبراء والأساتذة والباحثون في معظمهم ينتمون إلى اليمين المتشدد الذي يمزج بين المصلحة القومية والدين في آن واحد. وكان في طليعتهم ـ كالعادة ـ يهود أمريكيون وغير أمريكيين سارعوا إلى الحصول على الجنسية الأميركية وتسللوا إلى مراكز صنع القرار سواء في الرئاسة أم الخارجية أم الدفاع أم كبرى الشركات مما مكنهم من صنع هذا القرار في النهاية وحمل ممثلي الشعب الأمريكيين المنتخبين على تبنيه لما فيه من مصلحة عامة وخاصة في آن واحد.
وقد تنبأ الرئيس ايزنهاور في آخر سنوات حكمه بأن هذا سيحصل وأن القرار السياسي الأمريكي سيخطف من أصحابه المنتخبين من قبل أناس لا يخضعون للمساءلة الدستورية وهذا من شأنه أن يهدم الديمقراطية ويقضي على الحرية.
وقد وصلت أمريكا إلى هذا الوضع فعلاً ـ وسارع في ذلك أحداث أيلول 2001 التي قدمت الذريعة والظروف لممارسة أعتى أنواع التطرف والتعصب تحت عنوان حماية الولايات المتحدة وشعبها.
واخترعت أميركا صيغة الحرب على الإرهاب الأوسع كثيراً من صيغة محاربة الشيوعية أثناء الحرب الباردة، لكنها توازيها من حيث الدافع والنتيجة. في الخمسينات من القرن الماضي ظهرت المكارثية في أمريكا لمحاربة الشيوعية في الداخل وتمادت في اتهاماتها لتشمل كثيراً من الأبرياء الذين كان ذنبهم أنهم زاروا سياحةً بعض الدول الشيوعية، وكان بعضهم يعرف اللغة الروسية أو يدرسها. ثم انكفأت المكارثية في الداخل وعُوَضَ بعض المتضررين منها. إلا أنها استمرت في الخارج حيث درجت الولايات المتحدة على اتهام الحركات الوطنية أو حتى الدول الطامحة لتأكيد سيادتها بالشيوعية. وأدى ذلك إلى تحالفات قريبة بين أصوليين من الطرفين جمع بينهما محاربة الشيوعية بحيث ادعت أميركا أنها راعية الإسلام في أفغانستان إبان حكم الشيوعيين لها. وشكلت لذلك مجموعات من المقاتلين الإسلاميين جاؤوا من مختلف أنحاء العالمين العربي والإسلامي وكانت تطلق عليهم اسم المجاهدين. كانوا حينها مقاتلين من أجل الحرية يتلقون الدعم المادي والتدريب على أيدي الأمريكيين وحلفائهم في المنطقة وقدمت لهم التسهيلات كي يُوجدوا في مناطق مختلفة من العالم أنَّى دعت الحاجة الأمريكية لذلك.
أما كيف انقلب المجاهدون إلى إرهابيين فليست أغرب من تسمية ضحايا الاحتلال والاستعمار الصهيوني من الفلسطينيين بالإرهابيين. فبعد الحادي عشر من أيلول 2001 أصبح كل من لا يقف مع أمريكا عدواً تطلق عليه صنوف من الأوصاف منها الإرهاب ومنها المارق ومنها الشرير. ولم تقف الأمور عند هذا الحد فقد أعطت الإدارة الحالية للولايات المتحدة لنفسها حق شن الحرب على أية دولة تعتقد أميركا أنها تبيِّتَ نوايا عدوانية وذلك كإجراء استباقي ووقائي وبغض النظر عن تأييد الأمم المتحدة أو حتى حلفاء أمريكا التقليديين لذلك. ومن المفارقات المزعجة أن تتهم الولايات المتحدة بعض الدول بتجاهل قرارات الأمم المتحدة وتغض الطرف عن نفسها وعن حليفتها إسرائيل ! ففي حربها ضد العراق كادت أمريكا أن تنهي دور الأمم المتحدة وتهدم هذه المنظمة الدولية. أما إسرائيل فإنها لم تتقيد بأي قرار للهيئة. حتى القرار الذي أدانها وساوى الصهيونية بالعنصرية فقد عملت الولايات المتحدة بعد سنوات من تبنيه على حمل الهيئة على إلغائه مما شكل سابقة خطيرة في تاريخ الهيئة الدولية.
وقد بلغ غرور القوة بالولايات المتحدة حداً جعلها تسن القوانين لمحاسبة دول أخرى أعضاء في الهيئة الدولية التي كادت الولايات المتحدة تعتبرها في أحسن الحالات إحدى دوائر خارجيتها.
هل يشكل كل هذا تطوراً طبيعياً للإمبريالية الأمريكية ونتيجة مثالية مجزية لأحادية السلطة في العالم؟ ربما صَدَق ذلك لولا وجود إسرائيل، الدولةُ التي تفوق طموحاتها وبشكل مرعب كل ما تطرحه من أضاليل ذراً للرماد في العيون وتمويهاً لما يدور في الخفاء من تخطيط.
فامتلاك إسرائيل أسلحة الدمار الشامل وفي مقدمتها الأسلحة النووية ما هو إلا أكبر عملية ابتزاز لحلفائها قبل أن يكون إرهاباً ضد أعدائها. وقد برز ذلك في حرب تشرين عام 1973: إذ عندما استشعرت إسرائيل ولأول مرة خطراً حقيقياً يهددها بدأت بتحضير ذراعها النووي، ولكن ضد من؟ كان أول أهدافها المصالح الأميركية في المنطقة ولكن بتمويه يستعير مقولة شمشون: «عليَّ وعلى أعدائي يا رب» وقد هُرِعَت الولايات المتحدة حينها مسرعة إلى إقامة جسر جوي تمر عبره أضخم عملية نقل للأسلحة والعتاد وبسرعة فاقت مثيلاتها في حروب أميركا كلها. ولم يكن الاستفتاء الأوروبي الذي وضع إسرائيل في مقدمة الأخطار على السلام العالمي معاداة للسامية كما يحلو للصهيونية القول في هجومهم عليه بل ربما كان محاولة أوروبية لفتح أعين الإسرائيليين على ما تمثله الصهيونية المتشددة عمالية أو ليكودية من خطر على العالم وعلى نفسها، وبهذا قد يكون محاولة لحماية إسرائيل من الصهيونية المتطرفة أو من نفسها عندما يصبح المزاج الشعبي متطرفا كما يريده غلاة المتطرفين العلمانيين والدينيين. ففي إسرائيل «الديمقراطية» حركات دينية وسياسية متطرفة تدعو إلى تطهير فلسطين ـ كل فلسطين ـ من سكانها العرب الشرعيين بعضهم يقذف إلى شرق نهر الأردن والأحسن أن يرسل معظمهم إلى السماء، وعندما يمتطي رئيس وزراء إسرائيل موجة التطرف والعداء التي تقول بأن الأغيار (وهذا لا يشمل الفلسطينيين وحدهم) ما هم إلا هوام وحشرات يجب سحقها أو عندما يقول أحد حاخامييهم: «إن الرب نادم لأنه خلق أبناء إسماعيل» عندما يمتطي هذه الموجة ويرسل الطائرات والدبابات إلى جنين أو غزة يقول عنه رئيس الولايات المتحدة الحالي: إنه رجل سلام. ثم يلتفت هذا الرئيس نفسه إلى العرب والمسلمين متسائلاً: لماذا تكرهوننا؟!
وفي عام 1988 قدمت منظمة التحرير الفلسطينية تنازلاً تاريخياً غير مسبوق باعترافها بإسرائيل، ثم أتبعته بخطوة أكثر خطورة عندما غيرت ميثاق المنظمة الذي وضعته اللجنة التنفيذية الأولى برئاسة الأستاذ أحمد الشقيري.
بأي إسرائيل اعترفت المنظمة؟ تلك التي نص عليها قرار التقسيم أو بإسرائيل التي تجاوزت حدود التقسيم منذ عام 48 أو بتلك التي احتلت فلسطين كاملاً عام 67 وبالإضافة إلى أجزاء من مصر وسوريا ولبنان؟
لقد ادعت إسرائيل طيلة فترة احتلالها لفلسطين أنها تنشد السلام والديمقراطية في المنطقة في الوقت الذي كانت تشرع فيه القوانين لجعل حياة الفلسطينيين جحيماً لا يحتمل بعد أن هَجَّرت أصحاب الأرض إلى أرض لا يملكونها (في إسرائيل 48) وذلك تأكيداً لادعائها بأن الفلسطينيين مقيمون على أرض إسرائيل دون حق في الملكية مما يسهل طردهم عندما تسمح الظروف. وهذا هو السلام يقدم إليها أخيراً على إكليل من أغصان الزيتون. ولسنا بحاجة إلى ترديد ما ترتب على ذلك من ردود ونتائج ولكننا بحاجة إلى أن نصل إلى الخلاصة الصحيحة.
لقد برهنت إسرائيل على أن السلام الذي تريده هو سلام إسرائيل الذي لا يشاركها فيه أحد، وأن الدولة التي تريدها هي دولة يهودية يعيش فيها اليهود فقط. وكي يتأمن ذلك يجب التنازل عن كل حقوق الفلسطينيين في فلسطين وتأمين جوار خاضع للهيمنة الإسرائيلية، خالٍ من الأسلحة الرادعة ويعيش مطمئناً تحت الغطاء النووي الإسرائيلي. وقد يقول قائل: إن هذا حلم إسرائيلي بعيد المنال ولكن الإمبراطورية الأميركية الحديثة التي لا ترى الأمور إلا بمنظار الصهيونية تجعل منه كابوساً مؤرقاً تجب معالجته.
ألا يؤرق الإنسان العادي أن إسرائيل امتلكت السلاح النووي قبل أن يكون لها دستور وقبل أن تكون لها حدود؟ هل يعني هذا
أنها دولة ما زالت في طور التكوين ولم تصل إلى حجمها
المنشود بعد؟
وهل هذا السلاح مطلوب لتأمين هذا التوسع؟
ألا يشكل غياب الدستور إقراراً بأن إسرائيل التي تدعي الديمقراطية تستطيع ممارسة القمع العنصري والاضطهاد العرقي والديني في غياب هذا الدستور؟! بعض الأسئلة وغيرها كثير تساعد الإجابة عليها في معرفة طبيعة هذا العدو المستمر الذي جند كل وسائل الاستعمار قديمها وحديثها ليبقى المستعمر الوحيد في عالم اليوم.
ولنا أيضاً أن نتساءل عن أنفسنا: إن حركات التحرر في العالم تنتصر دائماً مهما طال الطريق. قد تنهزم في معارك كثيرة مع المستعمر ولكنها في النهاية تكسب حربها ضده. تختلف أساليب النضال ولكن يبقى الهدف ثابتاً. وهذا يستلزم وضوحاً في التعبير كما يستلزم وضوحاً في الرؤية.
إذ كثيراً ما نسمع تبريرات لما يحدث تحت عنوان الواقعية. ماذا تستطيع أن تفعل وأنت الضعيف وعدوك يمتلك كل وسائل القوة؟ هذا وصف لحالة وليس سؤالاً. فالمستعمر أقوى بطبيعته من الشعب المستعمر وإلا لما وقع الاستعمار ! والسؤال الأصح هو كيف تمتلك أسباب القوة وإلا لكان الاسترسال في معنى الواقعية ذلك هو الاستسلام.
الواقعية أن تحكم على الأمور بنتائجها: هل أدت اتفاقية أوسلو إلى السلام أم كانت بداية لطريق الآلام والتنازلات؟ هل سارعت السلطة الوطنية إلى التحول إلى نظام قبل إدراك الاستقلال والسلام؟
لقد فرض التفاوض على الفلسطينيين وعلى الأمة العربية وهي في حالة ضعف قصوى لا تمتلك من أسلحة التفاوض إلا الشكلي غير المؤثر. فقد غُيّبت معاهدات الدفاع المشترك وعُطلت إرادة العمل العربي الموحد وصارت معظم الدول العربية أقرب إلى أمريكا منها إلى بعضها وأصبح بعضها أقرب إلى إسرائيل ويحترم مواثيقه معها أكثر من احترامه لأية مواثيق عربية.
ورغم ذلك فقد أثبت شعبان صغيران من هذه الأمة هما الشعب العربي الفلسطيني والشعب العربي اللبناني أن باستطاعتهما تغيير موازين الدخول إلى خريطة المنطقة فاعلين مؤثرين، وهذا يشير بأن مخزون الطاقة في هذه الأمة من خليجها إلى محيطها عندما يسلك درب الفعل كفيل برد الكرامة وإنقاذ الهوية.
لقد استمعنا وفي هذا المكان قبل أسابيع قليلة إلى الأخ الكريم الدكتور سلمان أبو ستة الذي يمثل بشخصه مؤسسة كاملة لما يبذله من جهد ومال من أجل البحث عن اللاجئين الفلسطينيين من حيث أماكن نزوحهم ومواطنهم الأولى وما حدث بقراهم وبلدانهم بعد التهجير، وخلاصة بحثه أن معظم الأماكن التي أخلاها الفلسطينيون العرب ما زالت غير مأهولة وأن كثافة الوجود السكاني اليهودي محصور في شريط ساحلي يمتد من الجليل جنوباً إلى شمالي غزة. ومن نتائج البحث أيضاً أن فلسطين التي مازالت تبحث عن لاجئين يهود من شتى أنحاء العالم فيها مكان لإبنائها أيضاً وهذا رد على إدعاء إسرائيل الزائف بأن فلسطين لا تتسع لعودة اللاجئين. والحقيقة هي أن إسرائيل لا تعطي فكرة العودة كتصحيح لما ارتكبته ضد الفلسطينيين أي اهتمام على الإطلاق في الوقت الذي تكرس فيه جهدها كله للتخلص ممن بقي منهم في فلسطين سواء داخل حدود إسرائيل أم في المناطق المحتلة حديثاً.
إن حق أي مواطن في وطنه حق طبيعي لا تستطيع أية سلطة أو قانون أن يلغيه. أما إمكانية العودة فمرهونة بقدرة الشعب الفلسطيني والأمة العربية على تجاوز أخطاء الماضي والتوصل إلى مواصفات معتمدة جماعياً تحدد المواطنة بحيث لا يختزل الواحد الآخر ولا يستأثر منفرداً بصنع القرار ولا يهمش لوناً ويقدم آخر. إمكانية العودة يؤكدها إصرار المواطن الفلسطيني على حقه فيها ـ فليس هناك من يستطيع إلغاء هذا الحق إلا أصحابه فرادى ومجتمعين.
أما ما يدور في الكتمان والعلن عن مقايضة حق العودة بأية صيغة من صيغ السلام المزعوم فمآلها الفشل إن بقي المواطن الفلسطيني متمسكاً بحقه.
أما التعويض فهو حق طبيعي للفلسطيني المهجر من وطنه والممنوع من العودة إليه وذلك من ناحيتين: الأولى تعويض المعاناة النفسية والمادية والتي امتدت عقوداً من الزمن والثانية تعويض عن ريع الممتلكات بكل أشكالها عن تلك المدة. إذن فالتعويض ليس بديلاً من حق العودة أولاً ولا هو ثمن لما استولى عليه المستعمرون من أملاك.
وهناك تعويض من نوع آخر على دولة الانتداب أن تدفعه لكل فلسطيني هُجر قبل الخامس عشر من أيار عام 1948 وهو الموعد الذي حددته الدولة المنتدبة لنهاية ذلك الانتداب.
إن المحاولات الساعية الآن للوصول إلى اتفاق مع الصهيونيين على صيغة يكمن فيها التنازل عن حق العودة ستخدم الصهيونية بإتاحة مزيد من الوقت لتأسيس واقع موسع على الأرض وقد ترشح القائمون عليها لنيل جوائز السلام خالية من كل سلام. وعلينا ألا نخدع أنفسنا كما فعلنا في السابق: ففي ظل موازين القوة الحالية لن تعطي إسرائيل شيئاً في الوقت الذي تسعى فيه للحصول على كل شيء.
قد تبدو قضية اللاجئين اليوم مشكلة بسيطة تستطيع إسرائيل تجنب الخوض فيها وجعل الحديث عنها من الممنوعات والمحرمات ولكنها قد تصبح غداً سيفاً مسلطاً يرفعه أحرار العالم في وجه هذه الدولة العنصرية لا ليشكل كابوساً لها ولكن ليعود مرة أخرى هو لب القضية وقلبها ولن يستقيم حق دون ممارسة حق العودة. فللتاريخ منطق يتبلور بهدوء وروية كي يحق الحق وينتصر المستضعف.
وكذلك غرور بوش وشريكه شارون إذا استمر في هذا المسلك الأعمى المتجاهل لكل قيم الإنسانية التي تراكمت عبر حضارات شتى ـ هذا الغرور والصلف ربما يلحق بأمريكا وإسرائيل ضرراً لا يقل عما لحق بالاتحاد السوفياتي من تفكك وانهيار.