مسئولية بريطاني العظمى في ما يتعلق بخلق مشكلة اللاجئين الفلسطينيين
مسئولية بريطاني العظمى في ما يتعلق بخلق مشكلة اللاجئين الفلسطينيين
د.إبراهيم دراجي
لا ُيمكن لنا أن نتحدث عن قضايا اللاجئين الفلسطينيين دون الإشارة إلى المسؤولية التاريخية لبريطانية العظمى عن هذه الجريمة الدولية الُكبرى والكارثة الإنسانية التي لا زالت ُمستمرة منذ عقود طويلة وبحيث ُيمكننا التأكيد بصورة حاسمة أن الاحتضان البريطاني للحركة الصهيونية ، منذ بدايتها ، كان هو الدافع الحاسم في نجاح مشروعها الاستعماري في فلسطين ، حتى الآن ، علماً أن هذا التحالف لم يأت بصورة عارضة أو عفوية ، فقد سعى الفكر الصهيوني منذ بدايته لأن يوفر مناخ دولي يسمح له بتشكيل غطاء من التحالفات الدولية ينمو فيه الوطن القومي اليهودي، و أدرك مبكراً أن نجاح مشروعهم الاستيطاني في فلسطيني يقتضي تبنيه من قبل دولة عظمى تمتلك الوسائل الشرعية اللازمة لتلتقي مع مقومات فكرية لا غنى عنها لتحقيق أهدافها ومخططاتها وهنا حدث التلاقي البريطاني ـ الصهيوني .
وأعتقد هنا أنه لإبراز مسؤولية بريطانية عما حدث ينبغي تقسيم دراستنا هذه إلى قسمين نعرض في أولهما لمسؤولية بريطانية الناجمة عن وعد بلفور . ومن ثم إبراز مسؤولية بريطانية بسبب ممارساتها اللاحقة في فلسطين وتسهيلها مهمة العصابات الصهيونية في تلك المرحلة .
أوّلاً ـ مسؤولية بريطانية عن وعد بلفور
يأخذ الحديث عن وعد بلفور أبعاداً عديدة ولا يمكن إحصاؤها في عدة أوراق لما لهذه الأبعاد من أهمية على كافة الأصعدة.
وبصورة موجزة يتعين الإشارة إلى بداية الاهتمام الدولي بفلسطين منذ القرن الثامن عشر ففي تلك المرحلة على وجه الخصوص أدركت بريطانية وفرنسا وروسيا وألمانيا أهمية فلسطين على جميع المستويات, فمن هذه الدول من نظر إليها على أنها طريق مهم يربط المستعمرات ببعضها بعضاً كبريطانيا وفرنسا ومنهم من وجد فيها أرضا مقدسة يتم من خلالها كسب تأييد المسيحيين في العالم ومنهم من رأى أنها بوابة لعلاقات جيدة مع الإمبراطورية العثمانية.
في أواخر القرن الثامن عشر بدأت فرنسا وبريطانيا تفكران ملياً في السيطرة على فلسطين أو أخذ امتيازات لهم فيها, وقد بدأت أولى محاولاتهم في حملة نابليون على مصر وبلاد الشام, وكان اليهود وقتئذ يتمددون اقتصادياً بينما فرنسا تعيش إرهاصات ثورتها المشهورة والشعب يأكل بعضه, ولم يكن نابليون يستطيع أن يمول حملاته دون مساعدة من اليهود الذين اتفقوا سراً مع نابليون على تمويل حملته في حال أمّن لهم موطئ قدم في فلسطين.
وتذكر المصادر التاريخية أن نابليون أول سياسي أوروبي ينادي علانية بإقامة دولة لليهود على أرض فلسطين, وهو صاحب النداء المشهور الموجه لليهود "ورثة أرض إسرائيل الشرعيين" الذي صدر في نيسان 1799م وقد دعا نابليون اليهود بهذا النداء للنهوض والالتفاف حول علمه, من أجل تحقيق أحلامهم, وإعادة دولتهم في الحملة الفرنسية التي احتلت مصر عام 1798م .
وتجمع المصادر التاريخية على أن نابليون حاول استغلال اليهود بإثارته حججهم الدينية من أجل تجنيدهم وأموالهم وفي استكمال حملته على بلاد الشام, ولاستغلالهم في حربه ضد بريطانية، إلا أن حملته فشلت في سنتها الثانية لتبدأ مرحلة جديدة في استغلال نابليون لليهود الأوربيين.
بعد عودته إلى فرنسا منهزما في مصر وبلاد الشام، دعا نابليون الطوائف اليهودية في المستعمرات الفرنسية إلى عقد مجلس (السانهدرين) وهو أعلى هيئة قضائية كانت قائمة في التاريخ اليهودي القديم, وحجته في ذلك مساواتهم بالفرنسيين والبدء بتأسيس الدولة اليهودية (في المنفى) لحين احتلال فلسطين .
كان وعد نابليون لليهود بتأسيس دولة لهم أساس التفكير اليهودي الجدي والعملي بإعادة ما يسمونه باطلاً "أرض إسرائيل", ولم يكن يدرك أحد أن نابليون هو من وضع حجر الأساس في العقلية اليهودية, فبعد هذه التجربة التي خاضوها مع نابليون وفشلهم في تحقيق أمانيهم أدركوا أن فرنسا لن تقوم لها قائمة بعد هزائم بونابرت فانتقلوا إلى دول أخرى على رأسها بريطانية فألمانيا فروسيا والنمسا.
بعد تجربة اليهود مع فرنسا لم تعد تذكر الدولة اليهودية سوى في البيوتات اليهودية وفي بيوت المفكرين على وجه الخصوص, واستمر ذلك الحال نحو مائة عام وذلك حتى ظهور هرتزل على مسرح الأحداث الذي بدأ بالتحرك سريعا لاستغلال الظروف العالمية وانتهاز فرصة ضعف الدولة العثمانية والمباشرة في إقناع زعماء أوروبا والسلطان العثماني بتشكيل دويلة صغيرة في أي مكان في العالم, ولم تكن فلسطين حينئذ في أعلى الهرم، فقد كانت أولويته تجميع اليهود وإخراجهم من شتاتهم في أي مكان.
وبعد عقد مؤتمر بازل في سويسرا وجد البريطانيون أن قيام دولة يهودية على أرض فلسطين صار أمراً ممكناً خصوصا أن الوكالة اليهودية والأغنياء اليهود تعهدوا بحماية المشروع الصهيوني وبلورة جهوده في احتلال الأرض الفلسطينية، فاتخذت عدة خطوات وعلى عدة مستويات كان أهمها:
- عزل فلسطين عن محيطها العربي والإسلامي بوضع حاجز بشري مختلف في الدين والقومية والانتماء باستجلابها العمالة اليهودية والسماح للوكالة اليهودية بشراء الأراضي وبناء مستوطنات في المناطق الهامة.
- الاتفاق مع بعض القيادات السياسية العربية النافذة بضرورة العطف على اليهود والأخذ بعين الاعتبار وجودهم على أنه مساعدة إنسانية.
- تدريب كوادر عسكرية يهودية في الجيش البريطاني في المستعمرات البريطانية وخصوصاً الهند.
- تسليح التجمعات اليهودية بعتاد ثقيل بذريعة حماية الممتلكات.
- كسب تأييد الدول الكبرى سواء بالضغط عليها أو بالتنازل لها عن بعض المستعمرات البريطانية.
ومع كل هذه الخطوات التي اتخذتها بريطانية لمنح فلسطين لليهود بالمجان جاء وعد بلفور الذي يعتبر الحلقة الأولى المعلنة من قبل بريطانية في بلورة وتكريس الاحتلال الصهيوني.
الدوافع الحقيقية لوعد بلفور:
جاء اهتمام بريطانية بفلسطين مبكراً وكان لأسباب اقتصادية صرفة، إلا أنه هناك ما لم يذعْ للعلن، وما لا يعرفْه كثيرون أن التماهي الكبير بين بريطانية والحركة الصهيونية هو الذي دفع باتجاه إصدار هذا الوعد, وهذه الدوافع يمكن أن نلخصها في الآتي:
1. تحقيق ما يعتقد أنّه تعاليم المسيحيّة: فتصاعد النزعة الصهيونيّة المسيحية جعل فكرة "عودة" اليهود إلى أرض فلسطين تبرز بقوّة كشرط لعودة المسيح عليه السلام ودخول اليهود في المسيحيّة وبالتالي نهاية العالم، وهو ما يعني أنّ تسهيل احتلال اليهود لأرض فلسطين كان عبارة عن نوع من العمل الديني المسيحي لدى الصهاينة الغربيّين، أي أنّ منشأه "لم يكن حبّا في اليهود ولكن تطبيقا لمعتقدات دينية متطرفة".
2. ضمان تأييد اليهود في العالم في حربهم مع الحلفاء وتأييدهم لهم ولا سيما اليهود الموجودون في الولايات المتحدة الأمريكية الذين دفعوا بالفعل أمريكا إلى دخولها الحرب رسميا في العام 1917.
3. التنافس الإمبريالي على السيادة والمصالح الإستراتيجيّة: ففي الوقت الذي كان لفرنسا موطأ قدم في فلسطين بعلاقتها مع المسيحيين الكاثوليك هناك وروسيا بعلاقتها بالأرثوذكس فإنّ بريطانيا لم يكن لها من بين السكّان الأصليّين حليف، وهو ما جعلها تسعى إلى أن تعقد تحالفاً مع الصهاينة، هذا من جهة. ومن جهة أخرى فإنّ موقع فلسطين الاستراتيجي كنقطة التقاء لثلاث قارات وسعي ألمانيا وروسيا وفرنسا إلى تعزيز مواقعهم إما بمدّ شبكة القطار من برلين إلى بغداد أو بالسيطرة على البوسفور أو بمحاولة السيطرة على منطقة الشام ككلّ، كلّ ذلك جعل بريطانيا تفكّر بجدية في بسط النفوذ على فلسطين حتى تضمن عدم تحوّلها إلى أيادي أخرى بعد الحرب، وبالتالي تضمن مصالحها الإستراتيجيّة لفترة طويلة.
4. حمل يهود روسيا ويهود الدول المحايدة لتأييد قضية الحلفاء ولا سيما منع انخراط اليهود في صفوف الحزب الشيوعي الذي وقف ضد مواصلة روسيا الحرب.
5. المركز المالي الذي يتمتع به اليهود في العالم وما كان له من أثر في كسب الحرب لصالح الحلفاء.
6. تنفيذ الوعد الذي قطعته بريطانية لحاييم وايزمن (أول رئيس للكيان الصهيوني وأحد مؤسسيه) بإنشاء وطن قومي لليهود حين تمكن وايزمن من تحضير الجلسرين وإنتاجه من السكر بالتخمير ثم استخدمه في عمل المتفجرات وعرضت عليه الحكومة البريطانية أن تشترى منه حق الاختراع مقابل ما يطلبه, و كان طلب وايزمان هو الحصول على وعد من الحكومة البريطانية بوطن قومي لليهود في فلسطين مقابل حق انتفاع الجيش البريطاني بالجلسرين المبتكر لصناعة المتفجرات التي استخدمها ضد الجيش الألماني، ووافق لويد جورج على شرط وايزمان وكلف وزير خارجيته بلفور بأن يعلن وعده لليهود.
7. في عام 1952 نشرت وزارة الخارجية البريطانية وثائق سرية عن فترة 1919 ـ 1939، بما فيها تلك التي تتعلق بتوطين اليهود في فلسطين، ويتضمن المجلد الرابع من المجموعة الأولى، في الصفحة السابعة نقلا عن مذكرة وضعها آرثر بلفور في عام 1917 ما يأتي:
"ليس في نيّتنا حتى مراعاة مشاعر سكان فلسطين الحاليين، مع أن اللجنة الأميركية تحاول استقصاءها، إن القوى الأربع الكبرى ملتزمة بالصهيونية، وسواء أكانت الصهيونية على حق أم على باطل، جيدة أم سيئة، فإنها متأصلة الجذور في التقاليد القديمة العهد وفي الحاجات الحالية وفي آمال المستقبل، وهي ذات أهمية تفوق بكثير رغبات وميول السبعمائة ألف عربي الذين يسكنون الآن هذه الأرض القديمة".
أما بالنسبة للاستيطان اليهودي في فلسطين فقد أوصى في الجزء الأخير من هذه المذكرة بما يلي:
"إذا كان للصهيونية أن تؤثر على المشكلة اليهودية في العالم فينبغي أن تكون فلسطين متاحة لأكبر عدد من المهاجرين اليهود، ولذا فإن من المرغوب فيه أن تكون لها السيادة على القوة المائية التي تخصّها بشكل طبيعي سواء أكان ذلك عن طريق توسيع حدودها شمالاً (أي باتجاه لبنان) أم عن طريق عقد معاهدة مع سورية الواقعة تحت الانتداب (الفرنسي) والتي لا تعتبر المياه المتدفقة من (الهامون) جنوبا ذات قيمة بالنسبة لها، وللسبب ذاته يجب أن تمتد فلسطين لتشمل الأراضي الواقعة شرقي نهر الأردن".
آمن بلفور كما أوضح في كتابه العقيدة والإنسانية "Theism and Humanity" أن الله منح اليهود وعداً بالعودة إلى أرض الميعاد، وإن هذه العودة هي شرط مسبق للعودة الثانية للمسيح، وإن هذه العودة الثانية تحمل معها خلاص الإنسانية من الشرور والمحن ليعمّ السلام والرخاء مدة ألف عام تقوم بعدها القيامة وينتهي كل شيء كما بدأ.
اكتسب بلفور هذه الثقافة من عائلته، وخاصة من والدته التي تركت في شخصيته الدينية بصمات واضحة من إيمانها بالعقيدة البروتستنتية المرتبطة أساساً بالعهد القديم وبما يبشّر به من خلال النبوءات التوراتية.
ولأجل هذه الدوافع جميعها دون استثناء أصبحت بريطانيا مستعدة لإطلاق هذا الوعد، وقد وجه هذا الوعد للورد روتشليد في الثاني من نوفمبر من عام 1917م من قبل وزير خارجيتها آرثر جيمس بلفور وهذا نصه:
عزيزي اللورد "روتشيلد"
ُيسرني جدًّا أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة صاحب الجلالة التصريح التالي الذي ينطوي على العطف على أماني اليهود والصهيونية، وقد عرض على الوزارة وأقرّته:
"إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يكون مفهومًا بشكل واضح أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى.
وسأكون ممتنًا إذا ما أحطتم اتحاد الهيئات الصهيونية علمًا بهذا التصريح .
المخلص : آرثر بلفور".
رؤية قانونية حول وعد بلفور :
اتخذت الحركة الصهيونية العالمية من هذا الكتاب مستنداً قانونيا يدعمون به مطالبهم في سبيل إقامة الدولة اليهودية فهل لهذا التصريح أهلية قانونية؟ وقد أجمع رجال القانون في العالم على عدم شرعية هذا الوعد للأسباب التالية:
أولاً: إن التصريح ليس معاهدة وليس لهذه الرسالة أية قيمة قانونية: باعتبار إن وعد بلفور يمنح أرضاً لم تكن لبريطانيا أية رابطة قانونية بها، فبريطانيا لم تكن تملك فلسطين وقت إصدارها هذا التصريح.
فالقوات البريطانية احتلت الأراضي الفلسطينية بشكل تدريجي بدءاً من غزة في 7 نوفمبر عام 1917 ثم احتلت يافا في السادس عشر من نوفمبر من نفس العام، و احتلت القدس في التاسع من ديسمبر من نفس العام أيضاً، و حتى ذلك الوقت كانت فلسطين جزءاً من ولايتي طرابلس وبيروت في الدولة العثمانية التي رفضت تصريح وعد بلفور، ولم تعترف بحق اليهود في فلسطين ولم يرض سكان فلسطين العرب بهذا التصريح و قاوموا مطالب الصهيونية .
فالحكومة البريطانية بإصدارها هذا الوعد قد خولت لنفسها الحق في إن تتصرف تصرفاً مصيرياً في دولة ليست لها عليها أية ولاية وتعطيه للآخرين دون أن ترجع إلى أصحاب هذا الإقليم، مما يجعل هذا الوعد باطلاً من وجهة نظر القانون الدولي و غير ملزم للفلسطينيين.
ثانياً: إن وعد بلفور تنعدم فيه الأهلية القانونية فطرف "التعاقد" مع بريطانيا في هذا الوعد هو شخص أو أشخاص و ليس دولة، فوعد بلفور خطاب أرسله بلفور إلى شخص لا يتمتع بصفة التعاقد الرسمي و هو روتشيلد.
و من صحة انعقاد أي اتفاقية أو معاهدة دولية كما هو معلوم أن يكون طرفا أو أطراف التعاقد من الدول أولاً ثم من الدول ذات السيادة ثانياً, أو الكيانات السياسية ذات الصفة المعنوية المعترف لها بهذه الصفة قانونياً.
أما التعاقد أو الإنفاق أو التعاهد مع الأفراد فهو باطل دولياً شكلاً وموضوعاً ولا يمكن بأي حال من الأحوال امتداد أثر مثل هذا التعاقد بالنسبة لغير أطرافه وبالنتيجة فإنه ليس ملزماً حتى لإطرافه.
ثالثاً: إن وعد بلفور باطل لعدم شرعية مضمونه حيث إن موضوع الوعد هو التعاقد مع الصهيونية لطرد شعب فلسطين من دياره وإعطائها إلى غرباء، فإنه من أسس التعاقد الدولي مشروعية موضوع التعاقد بمعنى أن يكون موضوع الاتفاق بين الطرفين جائزاً و تقره مبادئ الأخلاق ويبيحه القانون وكل تعاقد يتعارض مع إحدى هذه الشروط يعتبر في حكم الملغى و لا يمكن أن يلزم أطرافه.
رابعاً: وعد بلفور هو اتفاق غير جائز بالمطلق ذلك أنه يجسد صورة انتهاك لحقوق شعب فلسطين وهذا يعتبر مخالفاً لمبادئ الأخلاق والقانونين الدولي والإنساني. ويرفض القانون الدولي انتهاك حق الشعوب في الحياة والإقامة في بلادها, وتهجيرها قسرا.
ولاشك بأن وعد بلفور يشكل الحلقة العلنية الأولى في مسلسل التواطؤ البريطاني مع الحركة الصهيونية والذي وجد تعبيراً له لاحقاً حين جعل عصبة الأمم تتبنى وعد بلفور في ٢٤/ ٧/ ١٩٢٢ في صك الانتداب البريطاني على فلسطين والذي دخل حيز التنفيذ في ٢٦/ ٩/ ١٩٢٣ ، ثم تمادت في هذا الغي حين أصدرت الكتاب «الورقة» الأبيض عام ١٩٣٩ والذي وضع على أساس وعد بلفور.
ثانياً ـ مسؤولية بريطانية عن ممارساتها اللاحقة بفلسطين:
إذا نظرنا إلى صك الانتداب القائم على فلسطين عام 1922 يتبين أن بريطانيا قامت بجهود مضنية في ديباجته ليتلاءم مع قيام الوطن القومي لليهود ؛ فقد جاءت مقدمته بوعد بلفور الذي أشار " للحق التاريخي الذي يربط هذا الشعب اليهودي بفلسطين " مما يدل على كثير من المغالطة التاريخية الكبرى لتبين أنها لا تعتبر اليهود بأنهم أجانب متصفين بظاهرة طارئة على فلسطين وعبارة "الشعب اليهودي " تدل على مغالطة أخرى فالجماعات الصهيونية اليهودية المتناثرة هنا وهناك لم تتوفر لها وعلى الإطلاق مقومات الشعب المستقل. وحينما تم الاعتراف بأن هؤلاء اليهود إنما يشكلون شعباً فقد بينت وأشارت المقدمة إلى العرب بأنهم طائفة تذكر ضمن "الطوائف التي هي غير يهودية" من ساكني فلسطين !!!
أما الصك وبنوده التي شرعت على أساس التهويد إذ أنها حددت في المادة الثانية من الصك وصاية الدولة المنتدبة في وضع حالة البلاد في أحوالها السياسية والاقتصادية والاجتماعية تضمن قيام نشوء الوطن اليهودي القومي، وتعترف بكل صراحة من خلال المادة الرابعة بالوكالة اليهودية لتتعاون مع إدارة فلسطين الإدارية " البريطانية" وتعملان معا لتحقيق الوطن اليهودي القومي الأصل بينما افتقر المواطنين الأصليين إلى نظام يمثل هويتهم أمام بريطانيا،وأما المادة السادسة فقد قامت بفتح الباب أمام أفواج المهاجرين اليهود، كما انه تم إقرار وبشكل جرئ اللغة العبرية كلغة رسمية واعتبار الأعياد اليهودية أعياداً رسمية.
ومن الملفت للنظر انه في عام 1937 ووفق ما صرحت به لجنة بيل البريطانية اثر اندلاع ثورة 1936 لفصل العرب عن اليهود تضمن هذا التقرير اعتراف بـ " دولة يهودية " وليس مجرد وطن قومي كما جاء في وعد بلفور مما يدل على أن هذا التصريح سبق قرار تقسيم فلسطين 181 الجمعية العامة للأمم المتحدة .
و منذ أن باشرت بريطانية انتدابها على فلسطين فقد انحازت لسياسة تأييد ودعم الوطن القومي اليهودي وكان اختيار وتعيين هربرت صمويل عام"1920-1925" اليهودي الأصل - كأول مندوب سامي أتى كتعبير مبدأي في هذا السبيل، وقد أدى تعيينه إلى حالة من الغضب لدى العرب الذين طالبوا من بريطانيا التراجع عن هذا الاختيار لكن إدارة الانتداب البريطاني تمسكت باختيارها هذا وقامت بإعداد برقية له سريعة والتي تبين مآثر هربرت صمويل والتي تجعل منه متوافقا ومناسباً للمهمة التي ألقيت على عاتقه ووعدت بأن "يمسك طرفي ذلك الميزان كل بعدل "وكانت أول واجبات ومهام هربرت صمويل إعادة وتعيين الحدود الدولية لفلسطين بحيث تجسد وتحقق المطامع الهادفة للمشروع الصهيوني فتم إدخال الجليل الأعلى وأيضاً إدخال المنابع العليا لنهر الأردن وبحيرة الحولة وطبريا من ضمن الحدود الدولية الفلسطينية لكي يتم توفير الطاقة والمياه للمستوطنين وإنعاش المشروعات الصهيونية.
انتهج الانتداب البريطاني وبشكل ممنهج أربعة منهجيات رئيسية في سياسته لتثبيت الكيان الصهيوني في فلسطين:
1. انتزاع الأراضي الفلسطينية.
2. دعم وتشجيع الهجرة اليهودية.
3. التشجيع والدعم للمشروعات الاقتصادية اليهودية.
4. قمع الشعب الفلسطيني .
1. انتزاع الأراضي الفلسطينية : النقطة الأولى في دعم الانتداب البريطاني تمحورت بمنهجيه حول الأراضي كما يلي :
* فتح باب التشريعات على مصراعيه أمام اليهود ليتملكوا قطاعات كبيرة وواسعة في فلسطين.
* تشجيع وحشد اليهود في الأراضي الموات " الأميرية " التي بلغت آنذاك بنحو45% " تقديرا " من مساحة فلسطين.
* أما الدستور الفلسطيني الذي أصدرته إدارة الانتداب البريطانية فقد ذهب إلى أبعد من ذلك إذ وضع كل ثروات فلسطين الطبيعية من المعادن والمناجم والأنهار تحت تصرف المندوب السامي البريطاني وبشكل مطلق.
* خول المندوب السامي كل الصلاحيات في أن يؤجر او يهب الأراضي العمومية لمن يشاء. وتحقيقاً للنزاهة والإنصاف البريطاني فإن الدستور الفلسطيني اشترط أن يتم كل ذلك وفق ما جاء في صك الانتداب !!!، ومن البديهي أن تكون كل هذه الهبات لصالح الكيان الصهيوني ؛إذ أن سياسة الانتداب البريطاني آنذاك كانت قائمة على هدف انتزاع الأراضي من أصحابها الأصليين بيد ومنحها للكيان الصهيوني باليد الأخرى. وقد شكل قرار المندوب السامي البريطاني الذي ينتمي للحركة الصهيونية هربرت صمويل بإلغاء القوانين العثمانية التي كانت تمنع اليهود من امتلاك الأموال غير المنقولة في فلسطين الأساس الذي استند عليه اليهود في الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، ومصادرتها، والتي كانت تبلغ نحو( 13.500.000) كيلومترًا والتي تتجاوز نصف مساحة فلسطين، بينما تحتفظ بريطانيا تحت مسمى الأراضي "الأميرية" بنحو (12.000000) ويقتصر الوجود اليهودي على مساحة (650) ألفًا
* ومنذ منتصف العشرينات عمدت إدارة الانتداب إلى سن التشريعات الخصوصية والخاصة بانتزاع واقتلاع الأراضي من يد ملاكها وأصحابها العرب واستولت بريطانيا من خلالها على مساحات كبيرة وشاسعة من الأراضي تحت مسوغات ذرائعية متهافتة منها القيام بتوسيع الطرق المؤدية من وإلى المستعمرات الإسرائيلية، واحتياج المشروعات الصهيونية للأراضي وذلك من أجل استكمال منشأتها، وعلى سبيل المثال، القيام بمنح منشأة روتنبيرج لتوليد الكهرباء مساحة 18 ألف دونم من الأراضي الخصبة المملوكة للعرب تحت ذريعة توسيع تلك المنشأة.
2. دعم وتشجيع الهجرة اليهودية : شجع السخاء البريطاني في اجتثاث وانتزاع الأراضي من أيدي أصحابها وإعطاءها كهبة للصهاينة كثير من مهاجري اليهود بالقدوم إلى فلسطين، وشجعت إدارة الانتداب الهجرة الصهيونية فقامت بفتح المجال واسعاً لقدوم المهاجرين تحت مسمى أن صك الانتداب يشجع على الهجرة اليهودية وبذريعة أن اليهود القادمين ذو كفاءات فنية وعلمية وتقنية ومهنية عالية وباستطاعتهم المساهمة في تقدم وترقية البلاد. وغضت سلطة الانتداب الطرف في كثير من الأحيان عن الهجرة غير الشرعية وسمحت بالتجاوزات العددية المقررة وخاصة في الظروف التي بدأت تشهد صعود الحكم النازي في ألمانيا. وحينما كان عدد الكيان الصهيوني مع بدء الانتداب 50 ألف مما يجعلهم أقل من 7% من السكان، حيث واجهت بريطانيا تحديات كبيرة في مواجهة مخططها بتهويد فلسطين تمهيدًا لإقامة الوطن القومي لليهود نتيجة الفارق الكبير بين عدد السكان العرب، واليهود باعتبار اليهود أقلية قومية، إلا أنها تغلبت عليها بفتح أبواب الهجرة لليهود من شتى أنحاء العالم، وأحدثت تفوقًا يهوديًا في عدد السكان.
وأسهمت تلك السياسة بتهجير العديد من الفلسطينيين قسرًا تحت تهديد العصابات الصهيونية، والنفوذ العسكري البريطاني الداعم لها، وتم الاستيلاء على أملاك وأراضي النازحين، وكذلك إقامة المستوطنات لاستيعاب اليهود المهاجرين. ولكن حينما غادرت حكومة الانتداب البلاد عام 1948 فقد بلغ عدد اليهود 650 ألف نسمة فأصبحوا يشكلون 31% من عدد السكان.
وقد استمرت الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وبتسهيل من حكومة الانتداب التي ساعدت اليهود على امتلاك الأرضي بعدة طرق منها :
* كانت تسجل الأراضي العربية باسم الدولة المنتدبة، ولم تسجلها باسم صاحب الأرض رغم إثبات ملكيته لها.
* استخدمت بريطانيا القوة العسكرية ضد العرب من اجل إجبارهم على ترك أراضيهم والرحيل عنها، كما حدث في وادي الحوارث قرب طولكرم ’ وسهل مرج بن عامر.
* التضييق الاقتصادي بفرض ضرائب باهظة على الأراضي، مما أوقع صاحب الأرض تحت طائلة الديون التي لم يستطيع سدادها، فيضر لبيعها لسداد الديون المتراكمة عليه.
وقد سهلت بريطانيا لليهود شراء الأراضي العربية بمنع المزارعين الفلسطينيين من تصدير منتجاتهم حتى تهبط أسعارها، ولا يتمكنون من تسديد الديون والضرائب فيضطروا لبيعها لليهود
كما أن هناك أراض مسجلة لعائلات لبنانية وسورية اشترتها المنظمة الصهيونية بثمن بخس، وكانت تقدر بآلاف الدونمات، ومن هذه العائلات ال سرسق وال التيان وال خوري وغيرهم
واستطاع الصهاينة شراء أكثر من نصف مليون دونم في الفترة الواقعة بين 1931 – 1935، وبلغت مساحة الاراضي التي سيطر عليها اليهود حتى عام 1947حوالي 6.8 % من مساحة فلسطين وتقدر بحوالي 1588365 دونما سواء أكان عن طريق البيع أم عن طريق منحها كهبة من حكومة الانتداب لليهود.
3. التشجيع والدعم للمشروعات الاقتصادية اليهودية : فإستمراراً لسياستها الخصوصية والهامة بتهويد ارض فلسطين خصت سلطة الانتداب الشركات والمنشآت الصهيونية بالكثير من امتيازات المشروعات الاقتصادية التنموية الكبرى في فلسطين لتصبح وتتحول فيما بعد إلى بؤرة القطاع التنموي والاقتصادي والإنمائي والصناعي مع قيام الدولة وأهم هذه المشروعات والمنشات منشأة روتنبيرج للكهرباء، ومنشأة استغلال مياه البحر الميت، ومشروع منطقة الحولة.
ومن ذلك يتبين أن فكر الرأسمالية الصهيونية اختارت الأراضي الخصبة والمواقع ذات البعد الإستراتيجي كمنطقة الجليل والحولة لتؤسس عليها مشروعاتها ومنشاتها الاقتصادية برعاية بريطانية، يلاحظ أن عقود الامتياز التي امتازت بها تلك المشروعات تبين أن سلطات الانتداب قد سمحت للصهاينة وحدهم دون غيرهم باحتكار كل الثروات بما فيها الثروات المعدنية وغير المعدنية وبهذه الصفة العنصرية الاحتكارية قد تمكن الكيان الصهيوني في النهاية من وضع يده على كل الموارد الطبيعية لتلك البلاد.
وقد ساعدت هذه المشروعات المشروع الصهيوني من عدة جوانب فمن جانب ساهمت في إنشاء المزيد من المستوطنات على حساب الأراضي العربية، وقامت بفتح الآفاق لآلاف المهاجرين الجدد للعمل في هذه المشروعات إذ أن نصوص دستور الوكالة اليهودية لا يجيز العمل لغير اليهود في هذه المشروعات، وساعد على ذلك الإعفاء الضرائبي للأشياء التي تستوردها هذه الشركات إلى دعم وتشجيع وتوسيع الصناعة اليهودية مما أدى إلى تقدم الإنتاج الصهيوني وتراجع الصناعات العربية أمام التحديات التقنية التي فرضت عليها
4. قمع الشعب الفلسطيني : فقد قامت السلطات البريطانية بقمع المقاومة الفلسطينية، والتصدي لثورتي البراق 1929، والقسام 1936، ودعم جرائم العصابات الصهيونية، والتي من أشهرها "الأرغون" و"شتيرن" و"الهاغاناة".، وسهّلت إرتكاب المجازر لإجبار الفلسطينيين علي النزوح عن أرضيهم ومصادرتها.
أن بريطانيا عند انسحابها من فلسطين، وإنهاء انتدابها تركت الأراضي الأميرية تحت تصرف الوكالة اليهودية، وكذلك قامت بتسليمها الإدارة في المناطق التي تنسحب منها والمطارات، ومستودعات السلاح، الأمر الذي يشكل انتهاكًا خطيرًا لالتزاماتها بالحفاظ على السلامة الإقليمية، والاستقلال السياسي بموجب نص المادة (22) من عهد العصبة.
إن مرحلة الانتداب البريطاني على فلسطين وحتى قيام دولة إسرائيل قد أطلق العنان لبدأ الاستيطان الفعلي في فلسطين حيث تم تكثيف عمليات استملاك اليهود للأراضي الفلسطينية، وتدفق الهجرة اليهودية، حيث شهدت هذه المرحلة الموجات الثالثة والرابعة والخامسة من الهجرات اليهودية مما أدى إلى ضياع ارض فلسطين وفق تخطيط صهيوني وإدارة بريطانية جسدت هذا التخطيط على ارض الواقع لتثبيت اليهود في ارض فلسطين.
المؤرخ البريطاني توينبي شاهد على جريمة بريطانيا في فلسطين :
ُأشير أخيراً إلى أن اللورد ارنولد توينبي المؤرخ البريطاني الأعظم والأشهر والأكثر موضوعية، والموسوعي الثقافة والذي كتب موسوعة قصة التاريخ، لم يملك سوى أن يجرم بلده بريطانيا على ما اقترفته بحق الشعب الفلسطيني وتسليم وطنهم لقمه سائغة للحركة الصهيونية، إذ يرى أن بريطانيا شاركت بالخديعة والدسيسة والوقيعة والمؤامرة بل والجريمة في تشريد الشعب الفلسطيني وضياع فلسطين وحصول النكبة الفلسطينية التي يرى "أنها مأساة وجوهر هذه المأساة هو أن مليون ونصف من الفلسطينيين العرب (الآن أكثر من سبعة ملايين) أصبحوا لاجئين محرومين من وطنهم وديارهم وممتلكاتهم دون أن يسمح لهم بإبداء رأيهم في تقرير مصيرهم" وأن هذه المأساة تمس العالم أجمع لأنها ظلم يهدد السلم العالمي".
والسبب في تجريم بريطانيا واتهامها بصراحة ووضوح وعلانية لأنها هي صاحبة وعد بلفور. الذي يتبرأ منه تماماً مما جعله يشعر كمواطن إنجليزي "بالذنب وتبكيت الضمير على ما حل بالشعب الفلسطيني جراء هذا الوعد المشؤوم"
. فكتب يقول "كمواطن إنجليزي أكره أن اتهم/ أجرم بلدي بيد أنني اعتقد أن بريطانيا تستحق الاتهام وهذا هو التعويض الشخصي الوحيد الذي في وسعي أن أقدمه".
ويقول أيضاً" أن ذنب بريطانيا في هذه الجريمة لا يقلل منه الحقيقة المهينة وهي أن بريطانيا عاجزة الآن عن رفع الظلم الذي أوقعته بالشعب الفلسطيني".
ويقدم المؤرخ توينبي المسوغات والقرائن لتجريم بريطانيا على جريمتها الكبرى ضد الشعب الفلسطيني إذ يقول "في تقديري أن النقطة الكارثية في لائحة الاتهام ضد بلدي هي أن فلسطين في ذلك الوقت كانت تحت الإدارة البريطانية لمدة ثلاثين عام 1918 – 1948 وأنها خلال تلك السنوات لم تقرر أو تعلن بأي شكل من الأشكال سياستها حول مستقبل فلسطين، والأكثر من ذلك أنها خلال السنوات الثلاثين كانت تسمح لليهود بالهجرة إلى فلسطين بنسب متفاوتة تختلف حسب الأوضاع والضغوط اليهودية أو العربية ولولا الدعم والحماية والسيطرة البريطانية، لما سمح لهذه الهجرة اليهودية إلى فلسطين، ويضيف اللورد توينبي قائلاً "لو بقيت فلسطين تحت الحكم العثماني التركي، أو لو أصبحت فلسطين دولة مستقلة منذ عام 1918 لما سمح لليهود بالقدوم إلى فلسطين بتلك الأعداد الكبيرة التي مكنتهم من التغلب على العرب الفلسطينيين في بلدهم العربي فلسطين.
أما السبب في وجود إسرائيل الآن، ووجود ملايين اللاجئين الفلسطينيين فهو "أن الحكم العسكري البريطاني فرض الهجرة اليهودية على فلسطين لمدة ثلاثين عام على التوالي، حتى أزداد اليهود بأعداد ضخمة وتسلحوا تسليحاً كبيراً وبأفضل الأسلحة المتقدمة مكنتهم من فرض أنفسهم بالدبابات والطائرات.
ويقول توينبي إن وعد بلفور في الثاني من نوفمبر عام 1917 "كان الورقة الرابحة في السباق المظلم بين فئتين من المحاربين في الحرب العالمية الأولى لكسب دعم اليهود في ألمانيا، والنمسا والمجر والأهم من ذلك الولايات المتحدة الأمريكية".
بيد أن بريطانيا استخدمت ما يسمى اليوم بازدواجية اللغة وسياسة المعايير المزدوجة، لأنها في وعدها لإعطاء وطن قومي لليهود في فلسطين "استعملت لغة مضللة، ولهذا كمواطن من المملكة المتحدة أعلن عن شعوري بالعار والندامة من فعلة بريطانيا هذه، وتلك كانت هي الحقيقة لأنه خلال الحرب العالمية الأولى وبعدها كانت الحكومة البريطانية تلعب لعبة مزدوجة، حيث كان هناك تناقض بين التعهدات التي قطعتها بريطانيا إلى العرب من جهة وإلى الصهاينة من جهة أخرى، كما كان هناك تناقض في إدخال وعد بلفور في نص الانتداب الذي أعطى لبريطانيا إدارة فلسطين. وبين تصنيف الانتداب من الفئة أ Class A التي بمقتضاها يتوجب على السلطة المنتدبة (بريطانيا) أن تلتزم بإعطاء الشعب الفلسطيني الواقع تحت الانتداب استقلاله في أسرع وقت ممكن ليتمكنوا من ترتيب أمورهم وإدارة شؤونهم بأنفسهم" .
ويواصل توينبي شهادته: "يمكن القول، وبكل أسف، أن بريطانيا قطعت تعهدين متناقضين مع بعضهما البعض. للعرب واليهود، وحين صدر قرار الانتداب كان الفلسطينيون العرب يشكلون 90% من سكان فلسطين، وكان الانتداب على فلسطين انتداباً من الفئة الأولى Class A كما يفهم من مراسلات حسين - مكماهون والتي تنص على الاعتراف بالاستقلال العربي وتدعيمه! ولهذا كان من المنطقي أن يفترض الفلسطينيون بأن بريطانيا تعهدت بالعمل على إعداد فلسطين لأن تصبح دولة عربية مستقلة".
إن المؤامرة، مؤامرة وعد بلفور هي جريمة مع سبق الإصرار والترصد pre-pence malice حسب القانون الدولي، ولهذا فإن القائد العسكري البريطاني الجنرال اللنبي لم يسمح بنشر القرار في فلسطين إلا بعد مرور ثلاث سنوات على صدوره، ومما يؤكد ذلك ما ذهب إليه رئيس وزراء بريطانيا "ونستون تشرشل" الذي كان يفتخر بأنه صهيوني حيث أعترف بالدوافع الحقيقية وراء القرار وذلك بقوله "لا يجب النظر إلى وعد بلفور على أنه وعد أعطي بدوافع عاطفية، لقد كان خطوة عملية اتخذت في صالح قضية مشتركة في لحظة لم يكن في مقدور هذه القضية أن تهمل أي عنصر من عناصر المساعدة المادية والمعنوية، والمقصود هنا وقوف اليهود بأموالهم وإمكانياتهم وقوتهم المادية والمعنوية والمنظورة وغير المنظورة مع بريطانيا أثناء فترة الحرب ولهذا كانت مكافأة اليهود بوعد بلفور وهذا أغرب وأعجب وعد في التاريخ كما يرى الكاتب اليهودي آرثر كوستلر في كتابه الوعد والإيفاء promise and fulfillment الذي وصف الوعد بالعبارة البليغة والصريحة التالية "إن أمة وعدت أمة ثانية بإعطائها وطن أمه ثالثة" أي أن بريطانيا وعدت اليهود بإعطائهم فلسطين وطناً للشعب اليهودي.
وهكذا ضحت بريطانيا بفلسطين وشعبها من أجل مصالحها، بل أن اليهود الذين كانوا ضحية النازية أصبحوا هم الجاني المجرم ضد الشعب الفلسطيني، ولهذا يقول توينبي " من الأشياء الأكثر مأساوية في التاريخ أن (اليهود) الذين عانوا على يد هتلر يقومون بفرض معاناتهم على شعب آخر هو (الشعب الفلسطيني).أي أن ضحية الأمس أصبح مجرم اليوم، وذلك بفعل الدعم اللا محدود الذي تقدمه دول الغرب وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، لهذا يقول توينبي " إذا كانت بريطانيا تتحمل المسؤولية الأضخم حيال القضية الفلسطينية وما يجري في فلسطين، فإن للولايات المتحدة تقوم بالدعايات الأكثر تضليلاً في هذه المأساة، ويقول لو التزمت أمريكا برأي عام محايد حول فلسطين، لتغير الموقف في فلسطين إلى الأفضل!!!