النظرة الإسرائيلية لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين
د. مردخاى كيدار
محلل سياسي ومحاضر في قسم الدراسات العربية في جامعة بار-إيلان الإسرائيلية.
بعد ان تبين لكل ذي عقل ان مشكلة اللاجئين هي اصعب عثرة في اي طريق للسلام بين إسرائيل والفلسطينيين, قررتُ ان اتوجه الى كل من يهمه الأمر في كل مكان بهذه الرسالة المبنية على إلمامي بحقيقة ما يدور في الذهن الجماعي اليهودي في إسرائيل كوني يهوديا صهيونيا ولد في إسرائيل قبل 55 عاما. وهذه الرسالة نابعة من رغبتي الصادقة في احلال السلام بين إسرائيل والفلسطينيين والأمة العربية بعد ان كنت نشيطا في حركات السلام الإسرائيلية خلال التسعينيات.
لقد تصاعدت في الاونة الاخيرة حدة الجدل الاعلامي والشعبي حول قضية اللاجئين وحق عودتهم الي بيوتهم داخل اراضي إسرائيل 1948. وفي الواقع, كلما اقتربت المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين من نقطة الحسم هناك من يثير موضوع اللاجئين علما منه ان مجرد طرحه على طاولة المفاوضات سوف يعرقلها ويوقفها ويعيدها الى المربع الاول لان الإسرائيليين يرفضون حتى التعرض لموضوع اللاجئين. لماذا؟ لماذا ترفض اغلبية المجتمع الإسرائيلي اليهودي الساحقة حتى الاعتراف بمسؤولية إسرائيل عن مشكلة اللاجئين؟ لماذا لم ولن يشترك اي من دعاة السلام الإسرائيليين في أي فعالية هدفها تحقيق ما يسمى بحق العودة حسب التفسير الفلسطيني لهذا الحق؟ ما هي العلاقة بين استعداد يوسي بيلين للقبول بعودة بعضهم إلى إسرائيل وإقصائه إلي سلة المهملات السياسية الإسرائيلية وهو اليوم وربما إلى الأبد أقصى ما يمكن من مواقع اتخاذ القرار في إسرائيل؟
هذه السطور موجهة إلى جميع الناطقين بالضاد رغبة مني في تسليط الضوء على أهم نقاط طريقة التقكير الإسرائيلي الجماعي فيما يخص هذه المسألة:
- مصدر قضية اللاجئين في المنظور الإسرائيلي هو غزو جيوش سبع دول عربية الى إسرائيل يوما واحدا فقط بعد اعلان استقلالها, والحرب الضروس التي اعلنتها تلك الدول ضد «الكيان الصهيوني» الوليد. وهناك العديد من الشهادات والأدلة عن النداءات التي أذيعت من محطات الراديو العربية والمنشورات التي تم توزيعها في حيفا والتي نادت الجماهير العربية بمغادرة فلسطين لمدة أسبوعين أو ثلاثة أسابيع حتى تنتهي تلك الجيوش العربية الجرارة الجبارة من القضاء على اليهود في فلسطين وبعدها سيرجع الفلسطينيون الى ارضهم منتصرين غانمين. فحسب الرؤية الإسرائيلية مَن اعلن حربا وغزا دولة ثم انهزم في حربه هذه عليه ان يتحمل نتائج أخطائه ويمنح المأوى لمن دعاه لمغادرة بيته او هرب الى أراضيه جراء حربه الخاسرة ضد دولة آمنة لم تعتد عليه. ولهذا فان مسؤولية خلق مشكلة اللاجئين تقع على عاتق الدول العربية التي غزت إسرائيل فعليها ان تحل هذه المشكلة على ما منحها الله تعلى من الأراضي الرحبة والمساحات الواسعة.
- هناك إحساس عميق في نفوس الإسرائيليين أن هؤلاء الذين هربوا من إسرائيل عام 48 فعلوا ذلك خشية منهم من أن تفعل إسرائيل بهم ما كانوا هم سيفعلونه باليهود لو كانت نتائج الحرب عكس ما كانت. او بتعبير آخر - حسب العادات والتقاليد السائدة في المحيط العربي الجانب المهزوم يتعرض للقتل والمجازر كما نشاهد في دارفور وكان الكثير من سكان فلسطين العرب يخشون من ان يتصرف اليهود بهم حسب الأسلوب المتبع بين العرب, وبسبب هذه الخشية النابعة من عقليتهم الجماعية ومن العادات والتقاليد الخاصة بهم هربوا الى المأوى في الدول المجاورة. فهل يُتوقع ان تتحمل إسرائيل مسؤولية العادات والتقاليد العربية؟
- بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945 كانت أروبا مغطاة بما لا يقل عن خمسين مليون لاجئ من كافة الامم الأوربية, ولكن بعد مرور ست سنوات لم يبق في أروبا ولو لاجئ واحد لم تحل قضيته - إما بالعودة الى بيتة أو بالتوطين في المكان الذي لجأ اليه او بإعادة توطينه في مكان اخر وهذه هي الطريقة الحضارية التي يجب ان يتعامل بها الانسان مع أخيه الذي شرد من بيته. أما الدول العربية فأبقت اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات أكثر من 60 سنة, بلا حقوق وبلا خدمات وبلا كرامة وخاصة في لبنان حيث ما زال القانون اللبناني يحرم اللاجئ الفلسطيني من حق ممارسة ما لا يقل عن 73 مهنة بغرض منعه من الانخراط في الاقتصاد اللبناني ولتحريمه من كسب قوت بيته بصورة مشرفة ولتمكين المتخمين اللبنانيين من استغلاله ماديا وابتزازه معنويا حتى يأتى اليوم لقذفه على إسرائيل. فهل تعتبر هذه المعاملة معاملة بشر؟ لماذا لم يستوعب العرب أشقاءهم العرب؟ وحينما يقارن اليهودي الإسرائيلي مجتمعه الذي استوعب ملايين من اليهود الذين هاجروا او لجؤوا الى إسرائيل منذ تأسيسها بالمجتمعات العربية التي تأبى ان تستوعب الإخوة اللاجئين العرب الفلسطينيين فهو يتساءل: أين الخلل في العقلية العربية؟ وهل هذه المعاملة نابعة من تعاليم الإسلام السمحة أو من العادات والتقاليد البدوية التي ما زالت تتحكم بطريقة التفكير العربية؟ وهل نحن الإسرائييليون علينا أن نتحمل عواقب النفسية العربية المشوهة التي ما زالت أسيرة منطق «انا وأخي على ابن عمي» ولا تسمح للعربي باستيعاب أخيه العربي الفلسطيني, وهو مسلم مثله - أخوه في الله - في غالبية الأحوال؟ أفليست المخيمات الجديدة الذي تم انشاؤها مؤخرا للفلسطينيين الساكنين في العراق دليلا على أن هذه العقلية المشوهة ما زالت تتحكم بالسلوك العربي حيال الناطقين بالضاد؟
- اليهودي الإسرائيلي يتساءل: أليست معاناة اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربية طيلة الستين السنة الماضية جزءً لا يتجزأ من الأسلوب العربي المشهور لاحترام حقوق الانسان المتمثل بالمقابر الجماعية وزنازين التعذيب وقطع الرقاب واختفاء المعارضين وكم الأفواه وهتك أعراض الرجال وتدنيس كرامة النساء وغيرها من أساليب القمع الجماعي والاضظهاد الفردي؟ فقبل ان يوجهوا الى إسرائيل المطالبة باحترام حقوق اللاجئين فعلى الحكام العرب ان يسجلوا أنفسهم للدورة الأولى للمبتدئين في مدرسة حقوق الانسان التابعة للحضارة المعاصرة, لأن الإسرائيلي يعلم يقينًا ان الحكام العرب كلما يتفوهون بحقوق اللاجئين ليست نيتهم إلا ابتزاز العالم, وجميع شعاراتهم عن القتال حتى النصر واستعادة حقوق اللاجئين ليست إلا لتبرير أساليب قمع شعوبهم في خدمة مصالحهم الشخصية. وقد نشر مؤخرا أن الدول العربية المضيفة للاجئين تتقاضى كل سنة مئات الملايينمن الدولارات من الأمم المتحدة, ف"وين الملايين"؟
- لا يختلف اثنان من اليهود في إسرائيل أن عودة جماعية للاجئين إلى داخل إسرائيل ستقضي على الهوية اليهودية للدولة اليهودية الوحيدة في العالم وستكون بمثابة انتحار جماعي للمجتمع اليهودي في إسرائيل. وليس من العدل المطالبة من المجتمع الإسرائيلي اليهودي أن يلقي بنفسه الى التهلكة بغرض حل مشكلة يمكن حلها بتعويضات عادلة دون ان تشوه الهوية اليهودية لإسرائيل.
- عودة جماهير اللاجئين الى ديارهم داخل إسرائيل 1948 هو تدوير عجلة التاريخ الى الوراء مثلها مثل عودة الأسرة الهاشمية الى الحكم في الحجاز او في بغداد. القصد وراء عودة اللاجئين هو اعادة فلسطين بكاملها الى أيدي العرب بمعنى إزالة دولة إسرائيل اليهودية من خارطة الشرق الأوسط بعد أكثر من نصف قرن منذ تأسيسها وبعد ان اثبتت الحروب متانة كيانها. فهل يعقل ان يوافق أي من اليهود على ازالة دولتهم بواسطة ادارة عجلة التاريخ الى الوراء؟ هل حدث في التاريخ ان تخلت دولة عن كيانها بغرض إشباع رغبة جمهور يسكن خارجها أكثر من خمسين عاما ومعظمه لم يولد فيها؟
- إن الكثير من الذين لجؤوا عام 48 من إسرائيل كان أصلهم من الدول العربية القريبة والبعيدة الذين انتقلوا إلى فلسطين خلال العشرينيات والثلاثينيات وحتى الاربعينيات من القرن العشرين بحثا عن العمل في المستوطنات اليهودية التي تم إنشاؤها في تلك الفترة. فإلى اين يحق لعائلة اسمها «المصري» أو «الطرابلسي» أو «الحوراني» أو «الصوراني» أو «العراقي» أو «الصيداوي» أن تعود؟ وإلى اين يستحق العودة هؤلاء «الفلسطينيون» الظاهر عليهم وهم لا ينفون انهم انتقلوا إلى فلسطين قبيل 1948 من السودان او من أرمنيا؟
- ولو افترضنا على سبيل المثال عودة ابناء عائلة لاجئين معينة من مخيم الراشدية في لبنان الى ترشيحا (قرية عربية داخل إسرائيل) وهم يستحقون طبعا ان يتقاسموا بيت جدهم مع أقاربهم الذين ورثوه وقطنوه طيلة الستين السنة الماضية. فهل يمكن تصور ماذا سيحدث بين الأقارب ورثة الجد في هذه الحالة؟ هل تكفي مقبرة ترشيحا لدفن نتائج هذا اللقاء العائلي «الحميم»؟
- ولو افترضنا موافقة إسرائيلية على عودة جزء من اللاجئين مقابل إغلاق ملف اللاجئين بصورة نهائية (وهذا ما اقترحه بيلين في محادثات طابا عام 2000) فهل هناك شخص فلسطيني واحد يجرؤ على انتقاء اللذين يحققون العودة فعلا ويقرر من سيبقي في مخيمات الشتات؟ ماذا سيكون مصير العلاقة بين رأس هذا الشخص وكتفيه؟
- الإسرائيلي العادي يتساءل: هل هناك حق عودة لشعب لم يأت ذكره في اي كتاب طُبع قبل سنة 1910 أي لم يُعرف قبل أقل من مائة سنة؟ واذا كان هناك اليوم شعب فلسطيني فهو - مثله مثل الشعب الأردني والسوري - خليق التطورات الديمغرافية والسكانية والثقافية والسياسية والدولية التي مرت فيها منطقة الشرق الاوسط برمتها خلال القرن العشرين, بينما ورد ذكر اليهود وعلاقتهم بأرض إسرائيل منذ أكثر من ألفي سنة في العديد من الكتب القديمة اليونانية والرومانية والبيزنطية والفارسية, وفي مخطوطات على الجدران في بابل ومصر القديمة, وحتى في كتاب الله تعالى, من هم اللذين قال موسى عليه السلام لهم «أدخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم»؟ هل قال ذلك لليهود الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم مئات المرات ام للفلسطينيين الذين لم يعثر لهم على ذكر ولو مرة واحدة في كتاب الله تبارك وتعالى؟
- الحالة السائدة في العالم اليوم هي انه ليست هناك دول تريد استيعاب اليهود الإسرائيليين حتى ولو أبدوا الرغبة في الهجرة الجماعية اليها. فهل يُتوقع من اليهود ان ينضموا الى أسماك البحر أو يبحثوا عن مكانا آخر لهم على القمر أو على المريخ؟
- هناك العديد من المواطنين اليهود في إسرائيل الذين أتوا اليها من الدول العربية مثل العراق ومصر والمغرب وليبيا فالإسرائيلي ينظر إلى ما حدث مع هؤلاء اليهود بمثابة أنه استبدال السكان مثلما حدث في كثير من الدول بعد الحرب العالمية الثانية. وكما ان الدولة اليهودية استوعبت اللاجئين اليهود فعلى الدول العربية ان تستوعب بالمقابل اللاجئين العرب. أضف الى ذلك ان تلك الدول العربية قد صادرت معظم ممتلكات اليهود بعد ان حرمت عليهم إخراجها أو بيعها وتمت مصادرة الأموال والعقارات من هؤلاء اليهود بذريعة انها ستستخدم لصالح اللاجئين الفلسطينيين. فأين هذه الأموال والممتلكات؟ ولماذا لم تستخدم في استيعاب اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربية؟
- كلما يتكلم اللاجئون الفلسطينيون عن حقهم التاريخي في أرض إسرائيل يتزايد عدد الإسرائيليين الذين يؤيدون عودة جميع اللاجئين العرب بما فيهم الفلسطينيين الى المكان الأصلي الذي خرجوا منه في القرن السابع للميلاد ألا وهو أرض الحجاز فهل هناك من ينكر ان العرب فتحوا البلدان الأخرى قادمين من شبه جزيرة العرب في تلك الحقبة التاريخية؟ هل بدأ التاريخ في 1948؟ فإلى اين يحق لهم تاريخيًا ان يعودوا؟ ألا تحق لهم العودة الى المساحات الشاسعة لجزيرة العرب المشبعة بالكميات الهائلة للنفط التابع تاريخيا للفلسطينيين كونهم عربا كما يتبع للعرب الآخرين امثال آل سعود؟