مسئولية إسرائيل القانونية تجاه اللاجئين الفلسطينيين
مسئولية إسرائيل القانونية تجاه اللاجئين الفلسطينيين.
د.إبراهيم دراجي
إن طرح أي مناقشة لمسؤولية إسرائيل في خلق قضية اللاجئين قد يوحي بشكوك وتردد حول مسؤولياتها مع أنها بمثابة مُسّلمّه تاريخية، سيما وان قضية في هكذا وضوح تتكلم عن نفسها، وتشير بأصابع الاتهام والإثبات لمسؤولية إسرائيل السياسية والقانونية والأخلاقية لحالة التشرد واللجوء والتمزق الاجتماعي، الذي لحق بالغالبية العظمى لشعب فلسطين أبان نكبة 48 وعلى مدار عقود مضت.
يكاد المرء لا يجد فلسطينياً واحداً في شتى أرجاء المعمورة غير منكوب أو متضرر جراء تشريد الشعب الفلسطيني عام 48 واقتلاعه من أرضه وبلاده ومحيطه الاجتماعي، وإقامة كيان مجتمعي وسياسي جديد على أنقاضه. لم تكتف إسرائيل بإبعاد الغالبية العظمى من الشعب الفلسطيني خارج وطنه واحتلال 78% من مساحة فلسطين التاريخية بل بادرت إلى حروب جديدة خلال سنين كيانها، ونجحت في كثير من الأحيان، في إيجاد مناخ تشريد ولجوء .
مع ذلك، وبما أن سؤال مسؤولية إسرائيل عن خلق قضية اللاجئين مطروحاً، فما علينا إلا أن نحاول الإجابة عليه بوضوح وضمن عملية ترسيم لبعض العناصر المفصلية في فهم قضية اللاجئين وإسقاطاتها على القضية الفلسطينية.
إسرائيل تنفي مسؤوليتها بذريعة أنها غير مسؤولة عن رحيل وتهجير اللاجئين الفلسطينيين :
تدعي إسرائيل أنها غير مسؤولة قانونياً وتاريخياً عن ميلاد قضية اللاجئين لان الفلسطينيين استجابوا إلى قادتهم والى أوامر بثتها الإذاعات العربية بضرورة الرحيل عن فلسطين، فيما كان بعض المسؤولين اليهود يلحون عليهم في البقاء!!
إن ادعاء إسرائيل بوجود قرار عربي بالرحيل عارٍ عن الصحة وقد تم تفنيده ودحضه من قبل المؤرخ الايرلندي ارسكابن.ب. شايلدرز. لقد افترى الزعماء الصهاينة هذه الفرية لتضليل الرأي العام من اجل إعفاء إسرائيل من مسؤوليتها حيال قضية الطرد الجماعية للفلسطينيين وميلاد قضية اللاجئين.
لقد اكتشف هذا الباحث أن الزعم الصهيوني لا أساس له، وذلك بعد سماعه إلى جميع برامج الإذاعات العربية في تلك الفترة التي قامت منصتات البي- بي- سي ووكالة الأنباء المركزية الأمريكية الخاصة بتسجيل ما أذيع في اللغات العربية والعبرية والانكليزية من فلسطين والبلاد المجاورة في عامي 1947 و1948 وقد سجلت هذه الإذاعات يومياً في قبرص.
إسرائيل مسؤولة بسبب عمليات الطرد وارتكاب المجازر : يخلص الباحث الفلسطيني نور الدين مصالحة في كتابه "طرد الفلسطينيين" إلى خلاصة مفادها أن مشكلة اللاجئين خُلِقت عمداً وبسبق إصرار وتصميم، ويبين من خلال بحثه أن زعامة اليشوف خططت لِ "الترحيل" وانتهجت سياسة ترحيل غير معلنة بين سنتين 1937 و- 1948، والتي دخلت حيز التنفيذ أبان حرب 1948. كما يشير إلى حقيقة تأليف لجان ترحيل خلال حرب 1948 من جانب المجموعات اليهودية للمساعدة على تسهيل الهجرة الجماعية.
والى جانب ذلك نشر بيني موريس في كتابة "ميلاد قضية اللاجئين الفلسطينيين 1947- 1949" استناداً إلى الأرشيفات الصهيونية حقائق دامغة حول المجازر وعمليات الطرد الجماعية ابتداءً من شهر كانون أول 1948، والى الخطط التي وضعت لاستحالة عودة اللاجئين، ومنها هدم القرى المهجورة والإعلان عن المناطق العسكرية المغلقة، وإقامة المستوطنات الجديدة على أنقاض القرى المهجرة واستيعاب عشرات ألاف من المهاجرين الجدد.
ففي نيسان 1948 استولت القوات الإسرائيلية على مدينتي اللد والرملة الواقعتين تحت سلطة الدولة العربية بموجب قرار التقسيم، وبعد مذبحة في اللد أجلي ما يقارب الـ 70,000 من سكان المدينتين بأمرٍ عسكري موقع من يسحاق رابين.
كانت سياسة الطرد والترحيل التي انتهجتها الهاجناه والجيش الإسرائيلي عام 1948 مبنية على مفاهيم ومخططات تعود جذورها إلى مشاريع الترحيل القسري للقيادة الصهيونية في الثلاثينات والأربعينات، وليس سراً أن ترحيل معظم سكان القرى الفلسطينية إبان الحرب قد أولي أهمية اكبر من ترحيل سكان المدن، والسبب في ذلك يعود إلى تمشي هذا الهدف مع الحملة الصهيونية للاستيلاء على الأرض وتوزيعها لاحقاً على المستوطنات اليهودية والمهاجرين الجدد.
وفعلاً بادرت إسرائيل مباشرة بعد إعلان قيامها إلى جعل إمكان عودة اللاجئين صعب المنال، حيث بادرت إلى إحداث تغييرات واضحة في معالم فلسطين الطبيعية والسكانية. فقد شملت هذه التغييرات تدمير القرى العربية المهجورة بالتدريج بحيث شمل هذا التدمير المباني والمزارع والحقول وتم توزيع الأراضي على المستوطنات اليهودية المحاذية أو الجديدة، وتوطين المهاجرين اليهود في البيوت العربية الخالية في القرى والمدن.
لقد تصرف الفلسطينيون المبعدون عن أرضهم وقراهم كما يتصرف كل بني البشر الذين يجبرون قسراً على ترك منازلهم تحت وطأة الحرب، إذ بدأ اللاجئون في شتى أماكن اللجوء في ربيع سنة 1948 المطالبة بالعودة إلى منازلهم وقراهم. ومنذ مطلع صيف سنة 1948 تعرضت إسرائيل لضغط دولي يقوده الكونت برنادوت، وسيط الأمم المتحدة إلى فلسطين، من أجل عودة جماعية للاجئين إلى وطنهم، مما حدا بالمجموعات اليهودية إلى اغتياله غداة يوم تقديم توصياته.
وقام دافيد بن غوريون، أول رئيس حكومة في إسرائيل في 1948 بوضع سياسة حكومة إسرائيل الرافضة منح حق العودة للاجئين استناداً إلى مصالح السكان اليهود على المدى الطويل واستقرار الدولة.
قبول إسرائيل في الأمم المتحدة ُمرتبط بقبولها مبدأ عودة اللاجئين الفلسطينيين ومحاولاتها للتهرب من المسؤولية :
صرح بن غوريون يوماً قائلاً "إن صراعنا مع الفلسطينيين واضح البساطة، نحن وهم نتنازع على نفس قطعة الأرض، والفرق بيننا وبينهم أننا سنكسب إما بالحرب وإما بالسياسة وإما بالخديعة، ولن يكتمل نصرنا إلا إذا حصلنا على توقيعهم بذلك" .
يلخص هذا التصريح نظرة إسرائيل إلى مجمل الصراع العربي الإسرائيلي. فالتصميم على الانتصار بأي شكل هو الذي دفع إسرائيل أن تقبل بقرار عودة اللاجئين رقم 194 في بداية الأمر. و رغبة إسرائيل في إسباغ الشرعية الدولية على وجودها جعلها تتقدم إلى الأمم المتحدة تطلب قبولها عضوا، ووجه الغرابة في هذا أن كلا الدولتين العظميين تبنت الطلب الإسرائيلي رغم أن الدولتين الأعظم عطلت ما يزيد عن 30 طلباً للعضوية في الأمم المتحدة منذ تأسيسها حتى عام 1955، لم يقبل منها إلا تسعة وكانت إسرائيل من ضمنها.
أحيل هذا القرار إلى الجمعية العامة التي ناقشت موضوع عضوية إسرائيل، استطاعت الدول العربية وبعض المتعاطفين معها إبراز حجج قانونية لم تتوفر لإسرائيل مثل عدم وجود حدود للدولة ثم قيامها بقتل الوسيط الدولى برنادوت، وكان قبول إسرائيل في الأمم المتحدة أول قبول شرطي لدولة عضو وهو الوحيد حتى الآن.
وقد عبر عن هذه الرابطة بوضوح القرار 273 في الدورة الثالثة الصادر بتاريخ 11/5/1949م المتعلق بقبول إسرائيل في الأمم المتحدة وقد نص على
" أن الجمعية العامة وقد تسلمت تقرير مجلس الأمن بشأن طلب إسرائيل الدخول في عضوية الأمم المتحدة إذ تلاحظ تصريح إسرائيل بأنها تقبل دون تحفظ الالتزامات الواردة في ميثاق الأمم المتحدة وتتعهد أن تحترمها منذ اليوم الأول الذي تصبح فيه عضواً في الأمم المتحدة، وإذ تذكّر بقراريها الصادرين في 29 تشرين الثاني عام 1947م القاضي بتقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية، وفي 11 كانون الأول عام 1948م الذي أُقر بموجبه حق العودة للاجئين الفلسطينيين، وتأخذ الجمعية العامة علماً بالتصريحات والإيضاحات التي صدرت عن ممثل حكومة إسرائيل أمام اللجنة السياسية الخاصة فيما يتعلق بتنفيذ القرارين المشار إليهما.... وإذ تلاحظ أن مجلس الأمن قد أوصى الجمعية العامة بقبول إسرائيل عضواً في الأمم المتحدة".
قبلت إسرائيل شروط الأمم المتحدة ودخلتها في مايو 1949 ، وكان يبدو واضحاً أن الاعتراف الإسرائيلي بقرارات الشرعية الدولية لم يكن إلا موقفاً مرحلياً لإخماد أصوات المعارضة أمام دخول إسرائيل المسرح الدولي من أوسع أبوابه.
إلا أن إسرائيل غيرت موقفها من قضية عودة اللاجئين بشكل جذري ، ففي مذكرة أرسلتها إسرائيل إلى لجنة التوفيق الخاصة بفلسطين أكدت فيها "...أن عقارب الساعة لا تعود إلى الوراء وأن عودة اللاجئين العرب إلى أماكنهم السابقة شيء مستحيل، هل من المعقول خلق ذلك المجتمع الثنائي الذي عانت منه الساحة الفلسطينية طويلاً وأدى في النهاية إلى حرب مكشوفة؟ في أحسن الأحوال سينشأ وضع معقد وغير مستقر حيث يشترك في دولة واحدة شعبان يختلفان في العنصر والدين واللغة .إن معظم الأوضاع الشبيهة بهذا الوضع قد حلت عن طريق الهجرة طوعاً أو قسراً وبموافقة دولية أو بدونها، إن المعالجة العقلانية الوحيدة هي دمج اللاجئين في تلك البلاد العربية التي تتسع لهم وحيث لا مجال لنشوء مشاكل ازدواجية العنصر والثقافة..".
ومع ذلك لم تقم إسرائيل بالوفاء بالالتزامات التي تعهدت بها أمام المجتمع الدولي عند قبولها كعضو في الأمم المتحدة، وهذا يؤكد أن عدم تنفيذ إسرائيل لقرارات الأمم المتحدة بشأن اللاجئين لا يحملها مسؤولية جسيمة تجاه اللاجئين فحسب، بل يحل أيضاً الأمم المتحدة من التزاماتها تجاهها، فيحق للمنظمة الدولية أن تطرد إسرائيل من عضويتها، وإن المبتغى القانوني من الصلة الوثيقة التي ربطت بها الجمعية العامة في نص واحد بين قبول عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة وتنفيذ القرار رقم 194 الخاص بحق العودة؛ كان هذا المبتغى إعطاء تنفيذ هذا القرار صفة الشرط المُلغي؛ وفي معارضتها بإصرار عودة اللاجئين؛ تكون إسرائيل قد تخلفت عن تنفيذ هذا الشرط، وجردت قرار قبولها في المنظمة الدولية من قانونيته.
قام الرفض الإسرائيلي على المراهنة على أن الجيل القديم الذي ارتبط بأرض فلسطين وغادرها سوف ينتهي خلال مرحلة زمنية محدودة طالت أم قصرت أما الجيل الجديد فسيغرق في متاهة فيذوب في المجتمعات التي يعيشون فيها وبالتالي فإن المطالبة بحق العودة ستنتهي خلال عقدين أو ثلاثة من الزمن.
علماً أن موضوع اللاجئين قد شغل الزعامات والقيادات اليهودية منذ بداية المشكلة ووضعوا تصورات للتعامل معها تتلخص بــ:
1- تدمير أكبر عدد ممكن من القرى خلال العمليات العسكرية.
2- منع العرب من العمل في مزارعهم بعد هدم بيوتهم
3- تبني خط دعائي هدفه منع اللاجئين من العودة.
4- إشغال الفراغ الناشئ عن النزوح بتوطين اليهود في أماكن العرب.
5- تبنى قوانين لمنع عودة اللاجئين الفلسطينيين.
6. المساهمة في توطين الفلسطينيين في الدول العربية عندما يحين الوقت لذلك.
وصرح بن غوريون بأن إسرائيل قد تسمح لعدد من العمال المهرة من الفلسطينيين اللاجئين بالعودة ، ليس استجابة للضغوط الدولية بل لأنها قد تحتاج إلى بعض العمال في تلك المرحلة. ولكن على ألا يعود فلاح فلسطيني واحد إلى أرضه. وهذا الموقف نابع من ارتباط الفلاحين التقليدي بأرضهم وعدم إمكانية توزيعهم ديمغرافياً مرة أخرى.
وفي رد لوزير خارجية إسرائيل موشيه شاري إلى طلب الكونت برنادوت لإعادة اللاجئين الفلسطينيين رفض شاريت رأي برنادوت وطالب بأن يوطن اللاجئون في خارج فلسطين المحتلة وأوصى بمسح القرى والمدن الفلسطينية التي كان يسكنها العرب وذلك حتى لا تترك أثراً يربطهم بأرضهم وتساءل كيف يتصور أن يعاد العرب إلى إسرائيل ألا يهدد ذلك نقاء دولة إسرائيل وألا يعني مزاحمة هؤلاء لليهود.
وفي عام 1956 أثناء زيارة شاريت للولايات المتحدة أبدى استعداد إسرائيل للنظر بجدية إلى مبدأ التعويض شريطة أن يتم توطين اللاجئين الفلسطينيين في البلاد التي لجأوا إليها. وبعد تسع سنوات قدم ليفي أشكول رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك مشروعاً للكنيست الإسرائيلي اقترح فيه تحويل مبالغ مالية إلى الدول العربية التي تستضيف اللاجئين وذلك بغية دمجهم في هذه المجتمعات مقابل فتح أبواب التجارة أمام البضائع الإسرائيلية في البلاد العربية.
وجرى تداول عدد من المشاريع الإسرائيلية للتعامل مع قضية اللاجئين ، منها:
1 ـ مشروع إيجال ألون: قدم هذا المشروع بعد حرب حزيران 1967 ويبدو أن سيطرة إسرائيل على أعداد جديدة من الفلسطينيين بعد الحرب دفع قادتها إلى الانشغال بإيجاد بدائل وأوضاع جديدة لمشكلة اللاجئين.
يقوم مشروع ألون على إنكار مسئولية إسرائيل عن المشكلة ودوامها واتهم البلاد العربية بأنها السبب في ذلك وأكد أنه لا يوجد لدى إسرائيل القدرة الاستيعابية لإعادة اللاجئين وتوطينهم في ضوء قدوم عدد من المهاجرين من البلاد العربية، واعتبار هذه العملية عملية تبادل سكاني بين البلاد العربية وإسرائيل العبرية ودعا إلى تكثيف الزراعة والتنمية الصناعية وتطوير الخدمات الملائمة في المناطق المحتلة حتى يمكن استيعاب اللاجئين القادمين إلى الضفة كما دعا إلى توطين كم آخر من اللاجئين في سيناء سواء قبل المصريون بذلك أم لم يقبلوا، وكي يضع ذلك موضع التنفيذ نادى بضرورة إيجاد تمويل دولي لحل المشكلة في البلاد العربية.
2 ـ مشروع أبا إيبان: وزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك، قدم مشروعه في خطاب له أمام الأمم المتحدة عام 1968 وهو يستند إلى خطة خمسية في إطار مؤتمر دولي يضم دول الشرق الأوسط مع الحكومات التي تساهم في إغاثة اللاجئين. والحل في رأيه لا يتم في عودتهم إلى بيوتهم وأراضيهم ولكن من خلال توطينهم في أماكن اللجوء التي يعيشون فيها بمساعده دولية وإقليمية.
3 ـ مشروع موشيه ديان: وزير الدفاع الإسرائيلي أثناء وبعد حرب 1967 الذي شغلته قضية المخيمات كهاجس أمني وكانت سبباً في انتشار المقاومة الفلسطينية قدم مشروعاً مؤلف من عدد من النقاط:
أ - تصفية المخيمات تحت ستار تخفيف كثافة السكان خاصة في قطاع غزة على أن يتم ذلك تدريجياً.
ب - توزيع اللاجئين في مناطق جديدة تسهل السيطرة الأمنية عليها.
ج - تحقيق هدف سياسي هو تجريد اللاجئين من صفة اللاجئين بعد تركهم المخيمات تحت ستار قيام إسرائيل بإعادة تأهيلهم .
4 ـ مشروع آرئيل شارون: كان شارون في هذه الفترة يشغل قائد القوات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة وقدم مشروعه عام 1971 وهو مشروع أمني لتهدئة منطقة غزة . اقترح شارون نقل 40 ألف شخص من مخيمات القطاع إلى مكان آخر لتخفيف الازدحام السكاني الذي يثير القلاقل الأمنية، وقام شارون فعلاً بشق شوارع في المخيمات الرئيسة في القطاع لتيسير دخول القوات إلى المخيمات وتسهيل حركتها فأدى ذلك إلى هدم آلاف البيوت ونقل أصحابها إلى مخيم كندا داخل الأراضي المصرية وعندما وقعت اتفاقية السلام مع مصر لم توافق إسرائيل على عودتهم وشكّلوا جسماً جديداً أضيف إلى سجل اللاجئين السابق.
5 ـ مشروع تامير: أبراهام تامير كان يشغل منصب الأمين العام لوزارة الخارجية الإسرائيلية وقد وافق عليه كلا الحزبين، العمل والليكود، وتقضى خطة تامير بتوطين 750 ألف فلسطيني في لبنان على أن يرتفع هذا العدد إلى مليون لاحقاً. وتقوم إسرائيل وفقاً لهذا المشروع بترحيل نصف مليون فلسطيني من الضفة الغربية وقطاع غزة إلى لبنان والأردن على أن يتحمل المجتمع الدولي تكاليف توطينهم وإعادة تأهيلهم، هذه الخطة حملها تامير إلى الرئيس الروماني نيكولاي شاوشيسكو الذي كان يدير حواراً غير مباشر بين مسئولين إسرائيليين وفلسطينيين، معتبراً أن الأوضاع الدولية الجديدة باتت مؤهلة لولادة كيان سياسي فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة وحل مشكلة اللاجئين بالتوطين.
حتى لو قبلنا فرضياً، ولغايات النقاش، بادعاءات إسرائيل حول مسببات لجوء اللاجئين الفلسطينيين خارج وطنهم بأنهم لبوا نداء قياداتهم السياسية، فهل يحرم ذلك الفلسطيني من العودة إلى وطنه وممارسة حياته الطبيعية كما كانت قبل اندلاع الحرب؟
في الواقع إن ادعاءات إسرائيل ترتكز إلى القوة والعنف ليس إلا، وأفضل دليل على ذلك مئات المستوطنات التي أقامتها إسرائيل في الضفة الغربية وقطاع غزة بعد حرب 1967 وبناء جدار الفصل العنصري. السؤال الذي يطرح نفسه هل يمكن لحكم القوة أو لحكم قائمٍ على القوة والبطش أن يعطل حقاً؟
أجاب العالم القانوني فيليب مارشال على هذا السؤال بما يلي:
" إن الاحتلال العسكري بذاته لا يعطي صك تملك شرعي ولا يطفئ أمةً وما دام الشعب لا يقبل الغزو العسكري ويعترض ويستطيع التعبير بشكل أو بآخر عن إرادته الثابتة باستعادة حقه فان سيادته تستمر حتى إذا انتقص منها أو غُمطت إلى حين".
إن الأمر الواقع الذي فرضته إسرائيل وسلسلة القوانين الوضعية التي شرعنت عملية السرقة التاريخية لأملاك الشعب الفلسطيني لا تلغي هذه الحقوق، لأن الشعب الفلسطيني عارض وبكل شدة انتهاك حقوقه وناصره في ذلك المجتمع الدولي ممثلاً بالأمم المتحدة، التي أكدت طوال أكثر من خمسين عام حقوق اللاجئين في العودة او التعويض مع كل ما يترتب على ذلك من إجراءات في القانون والواقع.
لقد قامت إسرائيل ومنذ تأسيسها بسن سلسلة من القوانين الملتوية والتي لا تتحدث عن الفلسطينيين إطلاقاً، مع أنها تصب كلها في هدف مقدس - من وجهة نظرها- إلا وهو إضفاء الهوية الجديدة على المكان من خلال تشريعات عنصرية. لقد أصدرت اسرائيل عام 1950 "قانون العودة" وأصبح ساري المفعول في اليوم التالي حيث فتح أبواب الهجرة والجنسية أمام جميع يهود العالم حيث وجدوا.
من جهة أخرى، ورغم أن إسرائيل حصلت على مليارات الدولارات تعويضاً من ألمانيا الاتحادية، نجد المشرع الإسرائيلي يقضي بمصادرة الأراضي والأملاك العربية بحجج مزعومة وتلفيقات قضائية، وبموجب قانون أملاك الغائبين أجازت اسرائيل لنفسها الاستيلاء على أملاك اللاجئين المنقولة وغير المنقولة متجاهلة مبادئ وأعراف قانونية متعارف عليها في القانون الدولي والقانون الطبيعي.
إن أية تسوية لا يمكن أن تكون عادلة وكاملة ما لم يتم الاعتراف من قبل اسرائيل بمسؤوليتها القانونية والسياسية عن قضية اللاجئين بكل جوانبها، وبحق اللاجئين في العودة إلى منازلهم التي طردوا منها واستعادة أموالهم وممتلكاتهم وتعويضهم عن خسائرهم المادية والنفسية.
والسؤال الآن ما هو جدوى البحث في هذا الموضوع سيما وأن اسرائيل تتنكر لهذه الحقوق جمعاء، وما تزال تمعن في سياستها بالضم والاحتلال وبناء جدار الفصل العنصري ضاربة عرض الحائط كل الشرائع والمقررات الدولية؟
إن مهمة الفلسطينيين، واللاجئين خاصة، استدامة المطالبة بحقوقهم وعدم التفريط فيها وأن يحملوا وطنهم معهم أنى حلوا وأن يتناقلوا هذا الحمل والحلم بالعودة عبر أجيالهم – حمل وحلم شكل ويشكل الضمانة الوحيدة لعودتهم.
قرارات جامعة الدول العربية المتعلقة باللاجئين
منذ أن بدأت تداعيات القضية الفلسطينية بدأ الحراك الدولي والعربي لعلاج النتائج المأساوية لها . وقد شرعت الجامعة العربية المؤسسة الإقليمية الناشئة باتخاذ بعض الخطوات العملية والتوجيهية لتنظيم الوجود الفلسطيني في دولها من خلال إصدار العديد من القرارات والاتفاقيات الصادرة عن مجالسها المختلفة خاصةً بعد النكبة حيث استمر الدعم العربي للقضية الفلسطينية وتم اتخاذ العديد من المواقف الايجابية كما صدرت صدر الكثير من القرارات لتقنين وضع اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربية, رغم أنه لم يذكر الميثاق صراحة أن اللاجئين موضوع اهتمام الجامعة :
ففي عام 1952 وافق مجلس الجامعة على التوصيتين اللتين قدمتهما لجنة فلسطين الدائمة للسماح بلمِّ شمل أسر اللاجئين المشتتين وإصدار وثائق سفر موحدة .
وفي عام 1954 اتخذ المجلس قراراً مفصلاً بالإجماع يبين المعايير والإجراءات لإصدار هذه الوثائق التي استطاع الفلسطينيون فيما بعد استخدامها في السفر والتنقل بين الدول العربية وغيرها.
وفي عام 1964 صدر القرار 2019 بغالبية الأصوات الذي يمنح المزيد من التسهيلات في إجراءات إصدار وثائق السفر ومعاييرها بحيث يمنح الحق لحاملها في العودة إلى البلد الذي أصدرها دون الحاجة إلى الحصول على تأشيرة عودة، الأمر الذي أدى إلى ظهور خلاف بين الدول الأعضاء حيث تحفظت على القرار كلٌ من السعودية وليبيا ولبنان، وبالتالي أصبح القرار غير ملزم لها حسب نظام الجامعة .
كما أنشأت الجامعة العربية "مؤتمر المشرفين على شؤون الفلسطينيين في الدول العربية المضيفة." الذي كان من أهم ما أنجزه بخصوص اللاجئين الفلسطينيين "بروتوكول معاملة الفلسطينيين في الدول العربية." أو ما ُيعرف ببرتوكول الدار البيضاء .
فاستناداً إلى ميثاق جامعة الدول العربية وملحقه الخاص بفلسطين وإلى قرار مجلس جامعة الدول العربية بشأن القضية الفلسطينية وعلى الخصوص إلى القرار الخاص بالمحافظة على الكيان الفلسطيني.
فقد وافق مجلس وزراء خارجية الدول الأعضاء في اجتماعه بالدار البيضاء يوم 10 سبتمبر (أيلول) لعام 1965 على الأحكام الآتية، ودعا الدول الأعضاء إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لوضعها موضع التنفيذ:
- مع الاحتفاظ بجنسيتهم الفلسطينية يكون للفلسطينيين المقيمين حالياً في أراضي............. الحق في العمل والاستخدام أسوة بالمواطنين.
- يكون للفلسطينيين المقيمين حالياً في أراضي.................... ومتى اقتضت مصلحتهم ذلك، الحق في الخروج منها والعودة إليها.
- يكون للفلسطينيين المقيمين في أراضي الدول العربية الأخرى الحق في الدخول إلى أراضي.............. والخروج منها متى اقتضت مصلحتهم ذلك. ولا يترتب على حقهم في الدخول الحق في الإقامة إلا للمدة المرخص لهم بها وللغرض الذي دخلوا من أجله ما لم توافق السلطات المختصة على غير ذلك.
- يمنح الفلسطينيون حالياً في أراضي................كذلك من كانوا يقيمون فيها وسافروا إلى المهاجر متى رغبوا في ذلك وثائق صالحة لسفرهم، وعلى السلطات المختصة أينما وجدت صرف هذه الوثائق أو تجديدها بغير تأخير.
- يعامل حاصلون هذه الوثيقة في أراضي دول الجامعة العربية معاملة رعايا دول الجامعة بشأن التأشيرات والإقامة.
مواقف الدول العربية من بروتوكول الدار البيضاء
ينقسم الموقف العربي حيال مواد البروتوكول بين مؤيد لها بشكل كامل وبين متحفظ على بعض المواد، قد أودعت الدول العربية الآتي ذكرها البروتوكول دون تحفظ وهي (سورية والأردن والجزائر والسودان والعراق والجمهورية المتحدة واليمن) .
أما الكويت وليبيا فقد تحفظتا على المادة الأولى:
- فالكويت احتفظت على أن لا تشمل المادة الأولى العمل الحر أسوة بالمواطنين نظرا لخصوصية العمل الحر فيها وخضوعه لبنود خاصة.
- أما ليبيا فقد رأت أن يخضع الفلسطينيون لشروط الإقامة التي تكون لبقية مواطني الدول العربية نفسها.
- وفي لبنان تم التحفظ على المواد الأولى والثانية والثالثة فقد أضافت إلى المادة الأولى عبارة وبقدر ما تسمح به أحوال الجمهورية اللبنانية الاجتماعية والاقتصادية، كما أضافت إليها عبارة وذلك أسوة باللبنانيين وضمن نطاق القوانين والأنظمة المرعية الإجراء. أما المادة الثالثة فقد أضافت بعد عبارة متى اقتضت مصلحتهم ذلك – ويشترط لحق الدخول إلى الأراضي اللبنانية الحصول مسبقا على سمة دخول من السلطات اللبنانية المختصة.
أما الدول التي لم تودع البروتوكول بعد فهي السعودية والمغرب.
أما بقية الدول العربية فلم تبدِ موقفها من البروتوكول, مثل تونس التي لم تحضر اجتماع الرؤساء والملوك العرب، وكذلك الدول التي أصبحت عضواً في الجامعة العربية بعد توقع البروتوكول في الفترة ما بين 1967 و1977 م.
وقد أدى التوقيع على هذا البروتوكول إلى وجود دور فاعل للفلسطينيين في معظم الدول العربية, فدخول الفلسطينيين سوق العمل العربية ساهم في نمو اقتصاد هذه الدول وازدهاره، كما أن حصولهم على وثائق سفر من دول اللجوء الأول والتزام هذه الدول بتجديدها سواء من داخلها أو من خلال سفاراتها في الخارج وكذلك مساواة حامليها برعايا دول الجامعة العربية سهّل حركتهم من الدول العربية وإليها إلا أن تقييد هذا الحق بشرط الإقامة حد من هذه الحرية وأفقد القرار كثيراً من مضمونه.
ومن خلال استقراء واقع العمل على أرض الواقع نخلص إلى أن هذا البروتوكول قد شكّل بادرة حسنة من الدول العربية تجاه الفلسطينيين المنتشرين في الدول العربية ووضع مجموعة من الخطوط التوجيهية فيما يتعلّق بالتشغيل، والإقامة ووثائق السفر، لكن تحفظّات عدد من الدول أحدثت نوعاً من المحدودية والقصور على هذه المسائل، وبالتالي فهو لم يخرج عن كونه بيان حسن نية لا أكثر.إذ :
تبنت الحكومات العربية مواقف متمايزة في تنفيذ بروتوكول الدار البيضاء، فقد عمدت دولتان عربيتان فقط، فيهما وجود كبير للاجئين، هما سورية والأردن إلى تنفيذ جميع بنود البروتوكول، بينما لم تنفذها الكويت ولبنان قط، ونفذتها مصر وليبيا بصورة غير منسقة، وبقي وضع اللاجئين حكراً على الأوضاع السياسية السائدة في المقام الأول.
علماً أن تبني الجامعة العربية القرار 5093 في العام 1991 الذي اشترط معاملة الفلسطينيين حسب الأحكام والقوانين المعمول بها في كل دولة أضعف في الواقع الالتزامات القانونية التي أقرها بروتوكول الدار البيضاء.
وقد صدر بعد هذا البروتوكول العديد من القرارات الجماعية والفردية التي تكررت فيها المواقف الحاثة على تطبيق البروتوكول، ولم تقم أية دولة عربية بتطبيق هذه القرارات بشكل كامل أو ثابت.
علماً أن الجامعة العربية لم تتعرض:
- لعدد من التفاصيل المحددة لوضع اللاجئين الفلسطينيين الذين هُجّروا لأول مرّة في العام 1967.
- ووضعية اللاجئين الذين لا يندرجون تحت مصنفات لاجئي العام 1948 .
- ولاجئي العام 1967 والمهجرين الفلسطينيين في الداخل .
وبالتالي فإن أمور فئة كبيرة من الفلسطينيين لا تزال تراوح مكانها بانتظار تسوية شؤونها في بعض الدول العربية.
وقد دلّت تحقيقات مؤتمر المشرفين على الشؤون الفلسطينية، على أن مستوى تطبيق معايير جامعة الدول العربية حول معاملة الفلسطينيين في بعض الدول الأعضاء متدنٍّ. ولا سيما في أعقاب حرب الخليج الثانية، عندما تبّنت الدول الأعضاء في الجامعة العربية قرار 5093، في العام 1991، الذي يخول الدول بمعاملة اللاجئين الفلسطينيين بموجب المعايير والتشريعات الوطنية التي ترتئيها الدولة المضيفة مناسبة، بدلا من الالتزام ببنود "البروتوكول".
وأمّا بالنسبة للدول العربية التي دخلت إلى الجامعة العربية بعد توقيع البروتوكول لا تزال غاضة الطرف عنه غير مبدية موقفها حياله مما جعل البروتوكول عرضة للتهميش من قبل مجموعة كبيرة من دول الجامعة العربية، لذلك يتوجب على الجامعة العربية الطلب إلى تلك الدول رسمياً العمل على المصادقة على البروتوكول وتفعيله.
ومن هنا نخلص إلى أن :
نطاق الحماية الممنوحة للاجئين الفلسطينيين في الدول العربية المضيفة بموجب بروتوكول الدار البيضاء لعام 1965 هو أضيق بكثير من نطاق الحماية الذي يتمتع به اللاجئون عامة، وفق المعاهدات والاتفاقات المعمول بها في هذا الخصوص دوليا. ولذا فإن المطلوب هو التزام أكبر من جانب العديد من الدول العربية بتطبيق معايير البروتوكول وإزالة العقبات التي تحول دون تطبيقها على المستوي الوطني، ومن ثم موائمة الحماية المطبقة على اللاجئين الفلسطينيين في هذه الدول مع معايير الحماية الدولية.
علماً أن مؤتمر المشرفين على شؤون الفلسطينيين كان قد اتخذ قراراً في عام 1970 جاء فيه أن اكتساب بعض الفلسطينيين لجنسية أخرى لا يُعَدّ مبرراً لحذف أسمائهم من سجلات اللاجئين الفلسطينيين، ما يعني أن هذا القرار سمح بازدواج الجنسية بالنسبة للفلسطينيين على غير ما قضت به اتفاقية الجنسية الموقعة عام 1954 بين الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية، وعلى غير ما تراه وجهة النظر الأردنية الرسمية في المرحلة الحالية من رفض الجمع بين الجنسيتين الأردنية والفلسطينية.
ويتعارض القرار صراحة مع الإجراءات التي تقوم بها بعض الدول العربية المضيفة من شطب للاجئين الفلسطينيين من السجلات الرسمية للاجئين وسحب بطاقة الإعاشة منهم بعد حصولهم على جنسية دولة عربية أو أجنبية.