الإطار القانوني لقضية اللاجئين الفلسطينيين
الإطار القانوني لقضية اللاجئين الفلسطينيين
د. إبراهيم درّاجي[1]
مقدمة
ُتعتبر قضية اللاجئين الفلسطينيين أقدم مشكلة للاجئين في العالم. ويبلغ تعدادهم اليوم حوالي خمسة ملايين لاجئ فلسطيني، ويشكلون قرابة ثلثي تعداد الشعب الفلسطيني، ويعتبر الخبراء أن اللاجئين الفلسطينيين يشكلون اكبر مجموعة لاجئين فردية ففي العالم (بمعدل زيادة سنوية قدرها 3%).
وقد تعارف الباحثون على تصنيف اللاجئين في ثلاث مجموعات:
- لاجئي الفترة 1947 – 1949.
- الأشخاص الذين تم تشريدهم نتيجة حرب 1967 (النازحين).
- الأشخاص الذين انتهت مدة تصاريح سفرهم الإسرائيلية إلى الخارج وأصبحوا يعرفوا بفاقدي هوية الإقامة الإسرائيلية في الأراضي المحتلة، أي مواطني الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الذين تجاوزا الفترة التي تسمح بها تصاريح سفرهم الإسرائيلية في الخارج ومنعوا من العودة إلى الأراضي المحتلة.
المحاضرة الأولى
مسئولية الأمم المتحدة تجاه اللاجئين الفلسطينيين
سنستخدم كثيراً مصطلح المسؤولية الدولية مما يقتضي البدء بتحديد مفهوم هذا الُمصطلح وتحديد الآثار والنتائج المترتبة عليه بشكل عام ( يتعين الإطلاع هنا على محاضرات powerpoint الُمرفقة ) .
أعتقد أنه يتعين علينا هنا أن ُنميز فيما يتعلق بمسؤولية الأمم المتحدة عن خلق هذه الإشكالية بين مرحلتين أساسيتين :
- المسؤولية السياسية السابقة : التسبب بخلق المشكلة من خلال إصدار قرار التقسيم 181.
- المسؤولية القانونية اللاحقة : التقصير في حماية اللاجئين الفلسطينيين .
أوّلاً ـ المسؤولية السياسية السابقة : التسبب بخلق المشكلة من خلال إصدار قرار التقسيم 181
ينبغي الإشارة بدايةً وللتذكير فقط أن إرهاصات تقسيم فلسطين كانت قد بدأت وُطرحت بشكل رسمي قبل هذا التاريخ ، حيث ظهرت فكرة تقسيم فلسطين لأول مرة في التقرير الذي وضعته لجنة"بيل" الملكية البريطانية عام 1937؛ وأعدت الحكومة البريطانية العدة لتنفيذه خلال حقبة الانتداب كما تعهدت "وعد بلفور" من ذي قبلٍ؛ ولكنها أجبرت على التراجع عن موقفها هذا بسبب المقاومة العربية الشديدة لهذا التوجه؛ بيد أن التراجع ما كان إلا في ظاهر الأمر بينما استمرت على موقفها في باطنه. إذ إنها عادت في أيار "مايو" 1939 إلى طرح مشروعٍ جديدٍ حمل اسم "الكتاب الأبيض" تعترف فيه :
- بحق العرب في فلسطين بالحكم المستقل.
- كذلك بالحد من هجرة اليهود وشراء الأراضي.
- وتقرر أن حل القضية يتحقق بجعل فلسطين دولةً ثنائية القومية؛ يشترك العرب واليهود في حكومتها.
وانتهى أمر"الكتاب الأبيض" إلى الرفض – آنذاك من قبل العرب وكذلك المستوطنين اليهود.
وبعد حينٍ من الزمان دعت بريطانيا إلى عقد مؤتمر لندن في عام 1946 ، ودعت إليه مصر والعراق وشرق الأردن والسعودية ومندوبين عن عرب فلسطين وكذلك الوكالة اليهودية؛ وعرضت فيه مشروع "هربرت موريسون" المتضمن فكرة تقسيم فلسطين، ووجود اتحاد بين القسمين العربي واليهودي، وقد رفض العرب المشروع، وقدموا بديلاً عنه مشروعاً يقضي بإعلان فلسطين دولة موحدة، تتولى شؤونها في أول الأمر حكومة انتقالية؛ تشكل من سبعةٍ من العرب وثلاثةٍ من اليهود مع كفالة تمتع اليهود بحقوقهم المشروعة.
وفي شباط/فبراير 1947 أعلنت بريطانيا عن مشروعٍ جديدٍ باسم Bevin Plane يقضي :
- وضع فلسطين تحت وصايةٍ بريطانيةٍ لمدة خمس سنوات، يتم خلالها الإعداد لاستقلال فلسطين.
- تتم إدارة فلسطين – خـلال هذه المدة – بتقسيمها إدارياً طبقاً لأغلبية السكان.
- على أن تدعى جمعية تأسيسية بالانتخاب بعد أربع سنوات؛ لإقرار اتفاقٍ بين العرب واليهود، يعلن على إثره استقلال فلسطين.
- وفي حال تعذر التوصل إلى هذا الاتفاق يترك الأمر لمجلس الوصاية.
وعندما رفض العرب واليهود خطة Bevin قررت بريطانيا عرض الأمر على الجمعية العامة في 12/4/1947 .
وبعد أن استمعت اللجنة السياسية – للجمعية العامة – إلى الهيئة العربية العليا وممثلي الوكالة اليهودية؛ اتخذت الجمعية العامة قرارها رقم 106 بتاريخ 15/5/1947 ومؤداه:
إنشاء لجنةً خاصةً بفلسطين سميت لجنة "انسكوب" مؤلفةً من أحد عشر عضواً، ومنحت أوسع السلطات "من أجل التثبت من الوقائع وتدوينها والتحقيق في جميع المسائل والمشاكل المرتبطة بالقضية الفلسطينية؛ وعليها أن تقدم تقريراً – تضمنه المقترحات المناسبة لحل القضية الفلسطينية - في أجل غايته قبل الأول من أيلول "سبتمبر" 1947.
وبالفعل انتقل ممثلو اللجنة الخاصة – المؤلفة بموجب القرار 106 إلى فلسطين ودرسوا المشكلة وكانت النتيجة التي انتهوا إليها وإن اتفقوا على انتهاء الانتداب البريطاني؛ ولكن الحلول التي وضعوها سواء الأغلبية منهم أو الأقلية، دلت على تهافت هذه اللجنة؛ إن لم يكن تواطؤها مع الصهيونية:
فالأغلبية المكونة من دول "كندا، تشيكوسلوفاكيا، غواتيمالا، هولندا، بيرو، السويد، أوروغواي" انتهت إلى ضرورة تجزئة Partition فلسطين إلى دولتين مستقلتين عربية ويهودية، ووضع القدس تحت نظام الإدارة الدولية بواسطة الأمم المتحدة على أن يجمع بين الكيانات الثلاثة اتحاد اقتصادي.
أما الأقلية المكونة من دول "الهند، إيران، يوغسلافيا" فانتهت برأيها إلى إقامة دولةٍ اتحاديةٍ بحكومتين مستقلتين "عربية ويهودية" وتكون القدس عاصمةً موحدةً للدولة الاتحادية.
وانفردت استراليا بموقفٍ مبهمٍ بين الرأيين السابقين.
التصويت على قرار التقسيم:
في 23/9/1947 أنشأت الجمعية العامة العادية لجنةً خاصةً بدراسة القضية الفلسطينية على ضوء ما انتهت إليه المشروعات الثلاثة: المشروع البريطاني والمشروع العربي وتقرير لجنة "انسكوب". وفي سبيل أداء مهمتها شكلت اللجنة الخاصة من بين أعضائها لجنة توفيقٍ ولجنتين فرعيتين.
فدعت اللجنة الفرعية الأولى إلى تبني مشروع التقسيم، أما اللجنة الفرعية الثانية فقدمت ثلاثة مقترحات؛ كان أهمها: "دعوة الجمعية العامة – قبل إصدار توصية – لأن تطلب رأياً استشارياً من محكمة العدل الدولية حول نقاط ثمانية؛ أهمها النقطتان التاليتان:
النقطة السابعة: فيما إذا كان للأمم المتحدة صلاحية بتوصية أي من خطتي التقسيم، أو بتوصية أي حلٍ آخر يقضي بتقسيم أراضي فلسطين، أو بفرض وصايةٍ دائمةٍ على أية مدينةٍ أو جزءٍ من فلسطين دون موافقة أكثرية الشعب الفلسطيني.
النقطة الثامنة: فيما إذا كان للأمم المتحدة أو لأية دولةٍ من الدول الأعضاء صلاحية تنفيذ أو إيصاء بتنفيذ أي مقترحٍ يتعلق بدستور فلسطين المستقبل أو حكمها ولا سيما أية خطةٍ للتقسيم تتعارض مع أماني سكان فلسطين أو يؤخذ بها دون موافقتهم.
ولكن مقترحات اللجنة الفرعية الثانية بما فيها النقاط الثمانية رفضت بأغلبية بسيطة عند التصويت عليها في الجمعية العامة.
وجيء بمشروع التقسيم إلى الجمعية العامة للاقتراع عليه يوم 26/11/1947 حيث وافقت عليه 25 دولة ورفضته 13 دولة وامتنعت عن التصويت 17 دولة؛ أي أن المشروع فشل في الحصول على أغلبية الثلثين اللازمة لإقراره. وبعد ثلاثة أيامٍ أعيد التصويت عليه مرةً أخرى في 29/11/1947 ونال هذه المرة الأغلبية المطلوبة بموافقة 33 دولة ومعارضة 13 دولة وامتناع عشر دولٍ عن التصويت وغياب دولةٍ واحدةٍ هي سيام "تايلاند" .
الظروف الملابسة لإصدار قرار التقسيم ـ الدور الأمريكي:
ُيعد قرار التقسيم هذا من أكثر القرارات التي اتخذتها الأمم المتحدة إثارة للجدل وذلك بسبب الظروف التي رافقت اتخاذه وأعني بذلك الضغوط التي مارستها المنظمات اليهودية على ممثلي الدول لتأييد هذا القرار ، وقد تراوحت هذه الضغوط ما بين شراء الذمم بالأموال والمغريات وتوجيه الاتهام باللاسامية والعداء لليهود واستدرار العطف ( للتكفير عن المذابح المذبوحة ) التي ارتكبها النازيون ضد اليهود وهكذا ( فإن كل سؤال كان يثار حول مصير الشعب الفلسطيني وكل استفهام كان ُيطرح حول الحق في إنشاء وطن قومي على ارض مأهولة ، وكل تردد حول صلاحية الأمم المتحدة بإنشاء دولة وفرضها على شعب مما يؤدي إلى اقتلاعه ونفيه .. كل هذه الأمور شكلت بنظر الصهيونية وفي الجو العاطفي الذي أحاط بالقضية إهانة للذين هلكوا في معسكرات النازية ).
وإضافة إلى هذه الضغوط التي مارستها المنظمات والوكالات اليهودية فإننا لا يمكن أن نغفل الدور الكبير الذي قامت به الولايات المتحدة الأمريكية في سبيل إصدار هذا القرار والتي لم تتوان عن ممارسة الضغوط ووسائل الإكراه المعنوي سواء بواسطة الترغيب أو التهديد ، حيث تركزت الضغوط الأمريكية على ست دول هي هاييتي وليبيرية والفلبين والحبشة والصين الوطنية واليونان ، واستغلت أمريكا نفوذها السياسي والاقتصادي لدفع هذه الدول إلى تأييد قرار التقسيم ، وعندما ُطرح المشروع للتصويت يوم 29 / 11 كانت الأصوات الحاسمة التي أنجحت المشروع هي أصوات ليبيرية وهاييتي والفلبين فقد كانت هذه الأصوات كافية لإكمال أغلبية الثلثين المطلوبة علماً أن هذه الدول الثلاث قبل ذلك كانت تعارض المشروع.
وقد وصف جيمس فورستال وزير الدفاع الأمريكي آنذاك الوسائل التي اتبعت لإرغام الدول في الجمعية العامة على طاعة الولايات المتحدة الأمريكية بأنها تكاد تكون فضيحة ، وقد اعترف حاييم وايزمان أول رئيس للدولة اليهودية بأن هذا القرار ما كان ليصدر لولا التدخل الشخصي القوي من الرئيس الامريكي ترومان الذي برر تدخله لصالح اليهود بقوله ( ليس لدي ناخبون من العرب ) ويقصد بالطبع تأثير اليهود في انتخابات الرئاسة الأمريكية.
كما كشف "هاري ترومان" أيضاً بعض الحقائق عن الموقف الأمريكي الذي تجاوز مرحلة الموافقة على التقسيم إلى تبني الموضوع وفرضه؛ ومما جاء في مذكرات "ترومان" قوله: "لقد أعطيت تعليمات إلى وزارة الخارجية بأن تؤيد أمريكا مشروع التقسيم". وأقر كذلك بجانب من الضغوط التي مارسها الصهاينة بقوله: "في الواقع لم تكن الأمم المتحدة وحدها قد أخضعت لضغوط لم تعرفها من قبل، بل إن البيت الأبيض نفسه تحمل دفقاً من الضغط، ولا أعتقد أنني تعرضت يوماً لحملة دعائية بهذه الشدة".
ويبدو جلياً من كلام "ترومان" أثر السطوة الرهيبة لليهود داخل منظومة الحكم الأمريكي.
مضمون قرار تقسيم فلسطين:
صدر قرار التقسيم بتاريخ 29\11\1947م، وهو من أطول قرارات الأمم المتحدة – آنذاك - إذ يتكون من عشرة صفحات من القطع الكبير وينقسم إلى أربعة أجزاءٍ ومقدمةٍ تشير إلى مبرراته القانونية؛ يلي المقدمة خطة تقسيم فلسطين وأجزائها الأربعة وموجزها:
الجزء الأول: يتضمن دستور فلسطين وحكومتها، والوضع القانوني للأماكن المقدسة والمواقع الدينية والحقوق الدينية وحقوق الأقليات، وخطوات الإعداد للاستقلال والمواطنة، والمواثيق والالتزامات الدولية، وأحكام متنوعة تنصرف إلى مسائل الاتحاد الاقتصادي والمرور بين الدولتين، وقبولمها في عضوية الأمم المتحدة.
الجزء الثاني: يتضمن بياناً دقيقاً بإقليم كل من الدولتين وحدودهما المشتركة.
الجزء الثالث: يحدد الوضع القانوني لمدينة القدس باعتبارها كياناً منفصلاً، يخضع لنظام دولي خاص، وتتولى الأمم المتحدة إدارتها ويعين مجلس وصاية ليقوم بأعمال السلطة الإدارية نيابة عن الأمم المتحدة.
الجزء الرابع: يتضمن دعوة الجمعية العامة الدول التي تتمتع بنظام الامتيازات إلى التخلي عنه.
تقييم دور الأمم المتحدة في إصدار قرار التقسيم:
لقد كان لزاماً على الجمعية العامة وفقاً لنصوص ميثاق الأمم المتحدة؛ إبان تصديها لحل القضية الفلسطينية – وعلى فرض صحة ذلك – أن نختار بين أمرين:
الأول:أن تضع فلسطين تحت نظام الوصاية تطبيقاً للفصل التاسع من الميثاق؛ بحسبانها إقليماً خاضعاً للانتداب، خاصة وأن الأقاليم العربية التي كانت خاضعة للانتداب مثل فلسطين – الفئة نفسها – قد انتقلت إلى الاستقلال دون المرور بنظام الوصاية، أما وإن فلسطين كانت مثقلة (بوعود بريطانيا) فإن قبول الوصاية كان أضعف الإيمان ... لكن بريطانيا امتنعت والجمعية العامة أحجمت...
الثاني:كان على الجمعية العامة - بحسب الفقرة الثانية في المادة الأولى من الميثاق – مراعاة حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. ولكنها قضت – زوراً وبهتاناً – بقصور الشعب الفلسطيني عن ممارسة هذا الحق، وأحلت نفسها محله بغير حق؛ وغيرت من مضمون هذا المبدأ الأساسي من مبادئ الميثاق؛ بحيث أضحى « حق الأمم المتحدة في تقرير مصير الشعوب » بدلاً من «حق الشعوب في تقرير مصيرها». وهو أمر لم يقل به الميثاق، بل يعد تعديلاً له دون مراعاة الأسس التي وضعها الميثاق نفسه للتعديل.
ولكن الجمعية العامة للأمم المتحدة لم تركن إلى أي من الأمرين السابقين وإنما قامت بإصدار قـرار التقسيم في مبادرة منها غير مشـروعة فضلاً عـن أنها غـير صحيحة والخـطأ لا يـولد الـحق .
عدم اختصاص الجمعية العامة في موضوع التقسيم أصلاً:
إصدار الأمم المتحدة لقرار التقسيم تجاوز للاختصاص وافتئات على الحقوق. فمن الثابت قطعاً أنه لا يمكن للجمعية العامة للأمم المتحدة التصرف إلا في حدود أحكام الميثاق الذي منحها اختصاصاً شاملاً، وزودها بسلطاتٍ واسعةٍ لتحقيقه، بيد أن القاعدة العامة فيما يصدر عن الجمعية العامة من قرارات، أن تكون توصياتٍ غير ملزمةٍ، أي يتوقف تنفيذها على رضا الدولة المعنية بها، باستثناء حالات معينة، تتمتع فيها هذه القرارات بقوة الإلزام، ليس منها بحالٍ من الأحوال المساس بوحدة التراب الوطني والسيادة الإقليمية لدولةٍ من الدول، حتى وإن كانت خاضعةً للاحتلال (القانوني) المسمى انتداباً، كما كان عليه الحال في فلسطين.
من أجل ذلك؛ فإن الجمعية العامة علاوة على تقيدها بأحكام الميثاق، فإنه ليس بوسعها التصرف – في الشأن الفلسطيني – إلا ضمن حدود صك الانتداب أيضاً. ولكنها في قرار تقسيم فلسطين تجاوزت حدود التصرف المقررة لها، وظهر ذلك جلياً في المواضع التالية:
1- خالفت الجمعية العامة للأمم المتحدة المادتين 10و14 من الميثاق اللتين تخولاها حق التقدم بتوصياتٍ دون اتخاذ قراراتٍ ملزمةٍ، سوى في حالاتٍ محددة بعينها، ما كان منها أبداً أمر التقسيم، سيما وأن قرار التقسيم كان قراراً مطبوعاً بطابع القسر والإلزام؛ إذ قضى في أحد بنوده باعتبار أن أية محاولةٍ ترمي إلى تعديل الحل المنصوص عليه في القرار تهديد للسلام أو خرق له أو عمل عدواني وفق نص المادة \39\ من الميثاق.
2- تجاوزت الجمعية العامة في قرار التقسيم حدود اختصاصها مرة أخرى، حينما نصت على إنشاء لجنة مؤلفة من خمسة أعضاء وخولتها حق إدارة فلسطين خلال فترة انتقالية، وقد كان للجمعية العامة صلاحية التقدم بتوصيةٍ إلى دولة الانتداب، ولكنها لم تفعل، بل عمدت إلى تصرفٍ لم تكن ذات صلاحيةٍ بإجرائه مطلقاً، وهو إسناد إدارة فلسطين إلى لجنةٍ قامت بتشكيلها.
3- تجاوزت الجمعية العامة - مرة ثالثة – في قرار التقسيم اختصاصها العام المعطى لها في المادة \10\ من الميثاق؛ لأنه لا يخولها – كما لا يخول أياً من أجهزة الأمم المتحدة الأخرى – حق إنشاء الدول ابتداءً، أو قسمة دولةٍ قائمةٍ من أجل إنشاء كيانٍ جديدٍ.
4 – إن الجمعية العامة لا تملك أية سلطةٍ لتنفيذ أي قرارٍ، وهي لا تستطيع على أساس المادة \14\ أن تطلب من مجلس الأمن اتخاذ تدابير قسرية؛ كما فعلت في قرار التقسيم حينما نصت على إن يعتبر مجلس الأمن كل محاولةٍ، ترمي إلى تغيير التسوية التي يهدف إليها هذا القرار بالقوة تهديداً للسلم أو قطعاً أو خرقاً له أو عملاً من أعمال العدوان؛ بموجب نص المادة \39\؛ علماً أن الميثاق لا يعطي للمجلس سلطة فرض تسويةٍ سياسيةٍ، سواء كانت نتيجةً لتوصية الجمعية العامة أو نتيجةً لقرار اتخذه المجلس بنفسه؛ لأن تدابير المجلس لا يمكن أن تستهدف فرض التقسيم بل الحفاظ على السلم.
ونخلص مما تقدم؛ إلى أن قرار التقسيم تصرف غير مشروع، نهض مخالفاً النظام القانوني الذي ينتمي إليه، وبصفةٍ خاصةٍ قواعد الميثاق وصك الانتداب، فضلاً عن إن الجهة التي أصدرته غير ذات اختصاصٍ، إي إن القرار المذكور قد جمع أسباب انعدام المشروعية من أطرافها؛ مما يجعله مدموغاً بالبطلان أبداً؛ لأن البطلان وصف يصاحب التصرف القانوني منذ نشأته؛ ويدور معه وجوداً أو عدماً..
مخالفة قرار التقسيم لصك الانتداب :
صدر القرار 181 بصورة مخالفة أيضاً لصك الانتداب والذي كانت فلسطين خاضعة له ولا سيما المادة الخامسة من هذا الصك والذي تضمن ( عدم التنازل عن أراضي أو تأجيرها .. أو وضعها تحت رقابة سلطة أجنبية ) .
ومن المعلوم انه لو كان للأمم المتحدة حق النظر في قضية فلسطين فإن فرض أي حل كان يجب أن يتم في إطار صك الانتداب ذاته بحيث أن وجود صك قانوني قابل للتطبيق يلزم الجمعية العامة بعدم إقرار أية حلول لا تتفق ونصوص هذا الصك .. وهو ما لم تلتزم به الأمم المتحدة لتفتتح بهذا القرار المبكر في تاريخها عهداً من المحاباة والازدواجية في المعاملة والذي بات نهجاً اعتادت المنظمة سلوكه في القضايا التي لا تتفق ومصالح المهيمنين عليها.
ولا بد من الإشارة أيضاً إلى أن هذا القرار وفضلاً عن عدم مشروعيته فإنه ُيعد أيضاً قراراً جائراً ومخالفاً لمعطيات الأمور وحقائق الواقع لأنه:
1 ـ لم يراع العدد السكاني في فلسطين بالنسبة للعرب واليهود فبينما كان عرب فلسطين حسب إحصائية 1946 هو 1,353,840 نسمة ، فإن عدد اليهود كان قد بلغ 608,023 نسمة معظمهم هجّروا إلى فلسطين تهجيراً.
2 ـ كما انه لم يراع النسبة المئوية لما يملكه العرب من الأراضي في فلسطين ، حيث بلغ مجموع ما تملكه الأقلية اليهودية في فلسطين 1,491,699 دونماً ، بينما كان مجموع ما يملكه العرب 12,574,774 دونماً ، ولكن عند تقسيم فلسطين ُأعطيت الأقلية اليهودية في عدد السكان وفي ملكية الأراضي نسبة تعادل 56% من مجموع أراضي فلسطين .
وهكذا فإن قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة لم يصل إلى حد المساواة في توزيع الأراضي بل العكس حيث أعطى الأقلية من السكان الأكثرية من الأراضي بينما حصلت الأغلبية الساحقة من أبناء فلسطين على الأراضي الأقل مساحةً.
موقف إسرائيل من قرار التقسيم ومدى التزامها به: اجتمع المجلس اليهودي في فلسطين – بعد صدور قرار التقسيم – وقرر إقامة "الدولة" وفقاً لهذا القرار؛ وشكلت لجنة تنفيذية من ثلاثة عشر عضواً برئاسة " بن غوريون " الذي أعلن قيام الكيان الصهيوني يوم 15\5\1948، وأكد في ذلك الإعلان على:
( .. أن الكيان الجديد هو إعادة بناء Re-establishment لما كان موجوداً في الماضي؛ أي إعادة إنشاء الدولة اليهودية القديمة.أن قبول قرار التقسيم لا يعني القبول بالحدود الواردة فيه؛ لأن الحدود يجب أن تتضمن جنوب لبنان وجنوب سوريا وشرق الأردن بأكمله .. ) .
وأضاف بن غوريون قائلاً:
« قبول التقسيم لا يلزمنا بأن نتنازل عن شرقي الأردن، لا يستطيع أحد أن يطلب من الآخرين أن يتخلوا عن أحلامهم، سوف نقبل بحدود الدولة كما ستحدد الآن، ولكن حدود الآمال الصهيونية هي شأن الشعب اليهودي وحده، ولن يستطيع أي عاملٍ خارجي الحد منها ».
وهو الأمر الذي مضى إلى تأكيده " مناحم بيغن " بعيد ذاك الإعلان عام 1948 بقوله:
« تجزئة الوطن شيء غير شرعي لن نعترف به أبداً. وتوقيع المؤسسات والأفراد على اتفاق التقسيم باطل، ولن يقيد الشعب اليهودي. القدس كانت وستبقى عاصمتنا إلى الأبد. أرض إسرائيل سوف تعود إلى شعب إسرائيل ».
ولا بد من الإشارة إلى أن قرار التقسيم باعتباره باطلاً من الوجهة القانونية فهو كقاعدة عامة لا يترتب على مخالفته أي مسؤولية قانونية دولية من الذين لم يقبلوه ..إلا أنه إذا اتخذ هذا القرار وأصر طرف على شرعيته ( كإسرائيل والجمعية العامة التي أصدرته ) فإنه يغدو ملزماً لمن قبله ، وبالتالي فإن هذا القرار ُيعد ملزماً لإسرائيل يجب عليها تنفيذه وتترتب عليها تبعات المسؤولية الدولية عن كل ما نشأ عن مخالفة تنفيذه وتخضع لأحكام المسؤولية الدولية إذا تخلفت عن التنفيذ.مع الإشارة إلى إن إسرائيل كانت قد قبلت هذا القرار وتعهدت بتنفيذه ضمن موجبات قبول عضويتها في الأمم المتحدة.
ثانياً ـ المسؤولية القانونية الواقعة ـ التقصير في حماية اللاجئين الفلسطينيين
أن القانون الدولي الرئيس الذي يحدد حقوق اللاجئين والتزامات الدول تجاههم هو اتفاقية جنيف _ 1951 المتعلقة بوضع اللاجئين. أن هذا القانون بالإضافة إلى مسودة العام 1967 تعطي التعريف الأكثر قبولا وقابلية للتطبيق لكلمة لاجئ كما تؤمن حدا أدنى من الحماية لهؤلاء اللاجئين عبر الجهات الرسمية (الحكومية).
وعلى هذا يعرف قانون اللاجئين والمسودة "اللاجئ" بأنه أي شخص يقيم خارج وطنه الأصلي وهو لا يرغب أو لا يقدر على الحصول على حماية بلده خوفا من اضطهاد حقيقي يتعرض له لأسباب عرقيه أو دينية أو قومية أو كونه عضوا في مؤسسة اجتماعية أو بسبب آرائه السياسية.
ومن ناحية ثانية تتضمن الاتفاقية بندا مستقلا ينطبق على اللاجئين الفلسطينيين وحدهم. تنص المادة (1د) من اتفاقية 1951 على ما يلي
"أن هذا القانون لا ينطبق على الأشخاص الذين يتلقون الدعم والمساعدة –حالياً- من أعضاء أو هيئات الأمم المتحدة باستثناء مفوضية الأمم المتحدة العليا لشؤون للاجئين
وفي حال توقفت هذه الحماية أو المساعدة لسبب أو لآخر، ودون أن يحسم وضع هؤلاء الأشخاص بشكل واضح نهائي وفقا للقرارات التي تبنتها الجمعية العمومية للأمم المتحدة، فان هؤلاء الأشخاص يؤهلون _بطبيعة الحال_ للاستفادة من هذا القانون"
وعلى الرغم من أن اللاجئين الفلسطينيين غير منصوص ذكرهم بالتخصيص في هذا القانون، إلا أن تاريخ المسودة وترابط مضمون المادة (1د) مع ثلاث اتفاقيات أخرى حقيقتان تؤكدان على أن المادة (1د) تنطبق على الفلسطينيين وحدهم. الاتفاقات الأخرى سابقة الذكر: ميثاق مفوضية اللاجئين ، وقوانين الأونروا، و قرار الأمم المتحدة ذا الرقم 194 الذي يعد إحدى الركائز والمستندات التي تعول عليها لجنة التوفيق الدولية حول فلسطين
إن الفقرة السابعة من ميثاق مفوضية اللاجئين تشترط أن "لا تمنح صلاحية وأهلية مندوب اللجنة.. إلى شخص لا يزال يتلقى الحماية أو المساعدة من أعضاء أو هيئات تابعة للأمم المتحدة."
و"الهيئات الأخرى التابعة للأمم المتحدة" يقصد بها أصلا الأونروا و لجنة المصالحة .
أن أهمية اللغة في هذه الاتفاقات تكمن أولا في التفريق الواضح بين كلمتي "حماية" و "مساعدة" وهما مفهومان مختلفان تماما في قانون اللاجئين.
أن تفويض الأونروا هو لمجرد تقديم المساعدة للاجئين فيما يتعلق بحاجاتهم اليومية من مأكل وملبس ومأوى. وعلى العكس من ذلك، فان تفوض مفوضية اللاجئين باعتباره مرادفا لقانون اللاجئين_ يتبنى برنامج حماية شاملا للاجئين المحددة صفاتهم في قانون اللاجئين.
أن هذا النظام يكفل للاجئين كل الحقوق التي تضمنها القوانين الدولية. كما يوصي ويفوض مفوضية اللاجئين تمثيل اللاجئين والاعتراض على الحكومات بالنيابة عنهم، لضمان الحماية اللازمة لهم. علاوة على التفريق القائم بين تفويض الأونروا من جهة ومفوضية اللاجئين من جهة أخرى، فان تعريف اللاجئ المطبق على الفلسطينيين مختلف أضيق مضمونا في قوانين الأونروا مما هو عليه في قانون اللاجئين (جنيف). وتمشيا مع تكليفها بالمساعدة، فان الأونروا تطبق تعريفا لكلمة "لاجئ" ينطبق حصرا على أشخاص من فلسطين تتوفر فيهم معايير معينة وهم "بحاجة" إلى هذه المساعدة
ومن هنا فإن قراءة واقعية وُمنصفة لحال اللاجئين الفلسطينيين ستكشف أن لأمم المتحدة قد قصّرت في تعاملها مع هؤلاء اللاجئين بالنظر إلى أنهم اللاجئين الوحيدين في العالم الذين لا يتمتعون بفوائد الحماية القانونية الدولية من قبل وكالة دولية مفوضة:
- فـلجنة التوفيق من أجل فلسطين UNCCP ، المكونة من ثلاثة أعضاء، والتي أنشئت بموجب الفقرة الثانية من قرار 194 وأعطيت تعليمات بتسهيل إعادة المهجرين إلى أوطانهم وتأهيلهم اقتصادياً واجتماعياً، لم تنجح في ممارسة التفويض الذي أعطي إليها.
- والتفويض الممنوح لـ ((الأونروا)) (وكالة غوث اللاجئين) هو بهدف المساعدة لا الحماية.
- فضلاً عن أن اللاجئين الفلسطينيين مستبعدون من ثم من الحماية بموجب ((اتفاقية عام 1951 حول وضع اللاجئين،)) وهي المعاهدة الكونية الوحيدة التي توفر حالياً الحماية الدولية للاجئين، بما في ذلك استبعادهم من ((المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة)) UNHCR بفضل المادة 1 (د) من الاتفاقية المذكورة. والسبب في اسبتعادهم من اتفاقية عام 1951 يعود بشكل أساسي إلى أن حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين لم يعتبر ماثلاً في استيعابهم أو ضمهم إلى بلد ثالث [غير فلسطين وإسرائيل] – وهو ما كانت تهدف إليه اتفاقية 1951 التي قيل إن لها أساساً منفوياً exilic – بل في ممارسة حقهم في العودة إلى ديارهم.
[1] تتضمن الصفحات التالية خليطاً لأفكار ودراسات قليلها منسوب لي وأغلبها ُمقتبس بشكل حرفي وكامل منم دراسات وأفكار ومقالات متنوعة منشورة لباحثين في مؤلفاتهم أو على شبكة الانترنت وقد تمت الاستعانة بها بحرفيتها لخدمة محاور دراستنا هذه . والتالي فإن هذه الصفحات ُمخصصة ـ فقط ـ لغرض الدراسة والإطلاع في هذا المنهاج الدراسي ولا يجوز نسبة أي شيء منها إلى د. إبراهيم درّاجي حرصاً على حقوق أصحابها ومؤلفيها واحتراماً للأمانة العلمية المطلوبة .