المهجرون الفلسطينيون "الحاضر الغائب"
تمثل قضية اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين المثال الحي على أطول مأساة إنسانية في التاريخ الحديث، فقد حُرِم الفلسطينيون من حقهم بالعودة إلى بيوتهم التي أجبروا على تركها بعد ارتكاب العصابات الصهيونية مجازر بشعة وممنهجة ضد القرى والمدن الفلسطينية، حيث ترك الفلسطينيون ليعيشوا حالة من التهجير وعدم الاستقرار ما تزال مستمرة منذ أكثر من ستة عقود.
يمثل الفلسطينيون النسبة الأكبر من تعداد اللاجئين في العالم، ويقدر تعدادهم بنحو سبعة ملايين لاجئ ومهجر فلسطيني، وتتضمن الإحصائية السابقة كل من أجبروا على ترك منازلهم وأراضيهم؛ بسبب إرهاب العصابات الصهيونية ضدهم في الفترة التي سبقت إعلان دولة الاحتلال الصهيوني عام 1948، وفق ما يسمى "خطة دالت" التي وُضعت من قبل منظمة الهاجاناه الصهيونية بين عامي 1947 و1948؛ لحماية تأسيس دولة الاحتلال في فلسطين التي كانت عبارة عن خطة تطهيرعرقي ممنهجة ضد الشعب الفلسطيني. كما تشمل الإحصائية اللاجئين الذين هُجِّروا خلال وعقب النكبة الفلسطينية، إضافة إلى الذين هُجِّروا بعد هزيمة العرب في حرب الأيام الستة ضد دولة الاحتلال الصهيوني عام 1967، حيث يمثل أولئك اللاجئون والمهجرون النسبة الأكبر من مجموع الشعب الفلسطيني.
يمكننا تقسيم اللاجئين الفلسطينيين حسب أماكن استقرارهم المؤقت إلى قسمين؛ القسم الأول: ظهر قبل وفي أعقاب حرب عام 1948، وهم النسبة الأكبر، وتتكون من الذين أجبروا على الانتقال إلى خارج حدود وطنهم فلسطين، ويعيش معظمهم الآن في دول الطوق العربي وهي: سورية، لبنان، الأردن، مصر، كما توزع عدد منهم في العديد من بلدان العالم، ويشمل هذا القسم الفلسطينيين الذين انتقلوا إلى مناطق احتلها الصهاينة في حرب 1967.
أما القسم الثاني فهم الذين شرّدوا من قراهم ومدنهم تحت ضربات ومجازر العصابات الصهيونية، لكنهم لم ينتقلوا إلى خارج حدود فلسطين التاريخية، بل نزحوا إلى قرى ومدن أخرى داخل فلسطين، وهو ما يطلق عليهم اسم المهجرين الفلسطينيين، وسوف يتناول كتابنا القسم الثاني بشكل خاص.
ترتكز قضية المهجرين واللاجئين الفلسطينيين على عنصرين أساسيين لا يمكن إغفالهما عند تنفيذ أي دراسة أو بحث يتعلق بتلك القضية، وهما: الإنسان والأرض، حيث يشير عنصر "الإنسان" إلى اللاجئين الفلسطينيين الذين أجبروا على ترك قراهم ومدنهم، ليبدأوا رحلة من الإقصاء والتهميش ما تزال مستمرة منذ أكثر من ستة عقود، أما عنصر "الأرض" فيشير إلى ما تمثله الأرض من مصدر للثروة والقوة، فمن يمتلكها تكون له الكلمة الفصل في الصراع العربي- الصهيوني، إضافة إلى ما تتمتع به الأرض من مكانة خاصة عند الفلسطينيين؛ إذ يستمدون منها الهُوية والتاريخ الفلسطيني.
يمثل المهجرون الفلسطينيون جزءًا هامًا من المواطنين الفلسطينيين الذين يعيشون داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1948، والذين يشار إليهم بـ"عرب إسرائيل" أو "فلسطينيي الداخل" أو "عرب 48"، ولهم مطالب تقوم أساسًا على الحق الواضح والبسيط؛ وهو العودة إلى قراهم ومدنهم التي هجروا منها.
استمرت الحكومات الصهيونية المتعاقبة في رفض إعطاء المهجرين الفلسطينيين ذلك الحق، نافيةً عن نفسها أي مسؤولية عن تهجيرهم من مدنهم وقراهم، رامية بالمسؤولية على القوات العربية التي شاركت في حرب عام 1948، وهذا بطبيعة الحال قَلْبٌ للحقائق؛ لأن العصابات الصهيونية استعملت "خطة دالت" من أجل تهجير الفلسطينيين من أرضهم، تمهيدًا لإعلان دولتها، فقامت العصابات الصهيونية بتنفيذ عملية تطهير عرقي ضد الفلسطينيين، معتمدةً على المجازر والترويع ضد المدنيين الفلسطينيين. وأعلنت دولة الاحتلال الصهيوني في العديد من المناسبات أن تهجير الفلسطينيين حالة مؤقتة سوف يتم معالجتها فور توقف العمليات العسكرية، لكن دولة الاحتلال الصهيوني لم تفِ بوعودها، بل استخدمتها غطاءً لتشريعات أُصدرت فيما بعد، لتنفيذ سياسات تضمن الحفاظ على سيطرة الأغلبية اليهودية على جميع جوانب الاقتصاد والمجتمع والسياسة والثقافة، وحتى السيطرة على الرواية التاريخية للصراع العربي– الصهيوني.
واجه المهجرون صعوبات كبيرة، وبخاصة عندما حاولوا التأقلم في أماكن اللجوء؛ فالغالبية العظمى منهم استقروا في شمال دولة الاحتلال الصهيوني في القرى العربية، حيث تعيش الغالبية العظمى من الفلسطينيين، وبعضهم استقر في المدن الكبرى مثل الناصرة وشفا عمرو، بينما استقر البعض الآخر في المدن المختلطة بين السكان اليهود والعرب، وحتى في المدن المختلطة يعيش المهجرون في أحياء منفصلة تعاني التمييز في غالب الأحيان.
وتسبب فقدان المهجرين الفلسطينيين لأراضيهم -التي كانت مصدر رزقهم الوحيد- في تغير نمط حياتهم من مزارعين إلى عمال مأجورين، وذلك التحول أطاح بقاعدتهم الاقتصادية والاجتماعية؛ إذ وجدوا أنفسهم يكافحون من أجل تلبية احتياجاتهم الأساسية، تكيفًا مع الأوضاع الجديدة.
كما كان للنظام العسكري المفروض على جميع العرب الفلسطينيين في دولة الاحتلال الصهيوني حتى عام 1966 تأثير أشد في المهجرين؛ مما زاد أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية سوءًا، كما قيد حركتهم في مساحة جغرافية ضيقة، متسببًا في قلة الموارد لتحسين معيشتهم، وضيق فرصتهم في حياة أفضل.
ومع نهاية الحكم العسكري، شهد عام 1966 تحسنًا طفيفًا في حياة المهجرين الفلسطينيين، وبخاصة بعد حرب 1967 واحتلال الصهاينة بقية الأراضي الفلسطينية؛ حيث أصبحت الحدود مفتوحة بين الفلسطينيين داخل دولة الاحتلال، والفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة.
أدى الوضع الجديد إلى مزيد من النشاط الاقتصادي؛ بسبب الفرص التجارية الجديدة والتعاون المشترك بين الفلسطينيين، ومع ذلك كان هذا التحسن محدودًا لأنه تم ربط الاقتصاد الفلسطيني باقتصاد دولة الاحتلال الذي تسيطر عليه أغلبية يهودية همشت الفلسطينيين، واستبعدتهم من مواقع صنع القرار.
وقد ساهمت سياسات الحكومات الصهيونية المتعاقبة تجاه الفلسطينيين الذين يعيشون داخل دولة الاحتلال، بما في ذلك المهجرين، في إيجاد فجوة آخذة في الاتساع بين الأغلبية اليهودية والأقلية الفلسطينية.
وتشهد وضعية المهجرين حالة من التناقض؛ كونهم مواطنين في دولة الاحتلال، ومهجرين في نفس الوقت، كما ساهم عدم الاعتراف بهم دوليًا كمهجرين في تعقيد وضعهم أكثر، فمنذ وقف الخدمات المقدمة للمهجرين داخل دولة الاحتلال من قبل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى[i] (أونروا) في عام 1952، لا توجد أي حماية أو مساعدة دولية مقدمة لهم، وعلى الرغم من أن تعريف المهجر في المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة، بشأن التهجير الداخلي، ينطبق على المهجرين الفلسطينيين فليس هناك اعتراف دولي بهم كمهجرين، صحيح أن المجتمع الدولي لا يوفر المساعدة الكاملة والحماية للمهجرين في جميع أنحاء العالم، ولكن على الأقل هناك اعتراف دولي بهم ومحاولة لمساعدتهم.
ما تزال قضية اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين مستمرة ليومنا هذا، على الرغم من إصدار الأمم المتحدة القرار 194 في عام 1948 الذي ينص على حق اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم، والحصول على تعويض، فلم يقم المجتمع الدولي بأي ضغط على دولة الاحتلال لتنفيذ هذا القرار، على الرغم من أن الأمم المتحدة كانت مسؤولة مسؤولية مباشرة عن تقسيم فلسطين بعد إصدار القرار 181، وتسليم نسبة 57 في المئة من أرض فلسطين إلى اليهود.
ونتيجة لقرار الحكومات الصهيونية المتعاقبة في إنكار حق المهجرين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم، أصبح المهجرون أكثر إصرارًا في جهودهم الرامية على حشد التأييد المحلي والدولي للدفاع عن قضيتهم العادلة، وقد تعاظم هذا الإصرار بسبب فشل المجتمع الدولي في الاعتراف بهم، وعدم إدراج قضيتهم في مفاوضات السلام بين السلطة الفلسطينية ودولة الاحتلال؛ إذ اعتبرته شأنًا داخليًا لدولة الاحتلال. وكردة فعل، شكل المهجرون الفلسطينيون لجان ضغط محلية، حيث أُنشئت في منتصف التسعينيات "اللجنة القطرية للدفاع عن حقوق المهجرين في (إسرائيل)" كممثل شرعي للمهجرين داخل دولة الاحتلال، مهمتها تبني قضاياهم والدفاع عنهم.
وقد تلقت اللجنة دعمًا من جميع قطاعات المجتمع الفلسطيني داخل دولة الاحتلال، كما تلقت بعض الردود الإيجابية على الصعيد الدولي، وما يزال المهجرون ينتظرون من الحكومة المحلية الاعتراف بحقهم في العودة إلى بيوتهم وقراهم التي هجروا منها، وينتظرون من المجتمع الدولي الاعتراف بهم، وتوفير حلول دائمة لهم من خلال قرار الأمم المتحدة رقم 194، والقوانين الدولية والمبادئ التوجيهية الدولية الخاصة بالتهجير الداخلي.
يركز هذا الكتاب على مناقشة السياسة الصهيونية تجاه المهجرين الفلسطينيين، إضافة إلى مناقشة الحماية الدولية لهم، ونحاول من خلاله الإجابة عن السؤال الذي يدور في أذهان الكثيرين: لماذا لم يتم الاعتراف بالمهجرين الفلسطينيين محليًا داخل دولة الاحتلال، وخارجيًا من قبل دول العالم؟
للتعرف على سبب عدم اعتراف دولة الاحتلال بالمهجرين، سنبحث في السياسة الصهيونية تجاههم منذ النكبة، كما سنبحث هل أنَّ هذه السياسة بقيت على حالها أم أنها تغيرت مع مرور الوقت، وسنبحث أيضًا في سبب عدم اعتراف المجتمع الدولي بهم كمهجرين، وعدم تقديمه المساعدة والحماية الضرورية لهم، مثلهم مثل غيرهم من المهجرين داخليًا في جميع أنحاء العالم. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الدراسة تحاول البحث عن حلول دائمة لمشكلة المهجرين الفلسطينيين.
[i] أنشئت أونروا بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 302 (رابعا) في 8 ديسمبر 1949 لتقديم المساعدة للاجئين الفلسطينيين والمهجرين