من تقييد الصحافة إلى قصف الجامعات: كيف تُمارس الإبادة المعرفية ضد الفلسطينيين؟
| أكاديمية دراسات اللاجئين |
مهند سامر - مدير قسم التواصل والإعلام
شهدت فلسطين منذ بدايات القرن العشرين محاولات ممنهجة لتقييد حرية التعبير والثقافة والتعليم. ورغم بروز صحف فلسطينية مؤثرة مثل فلسطين والدفاع خلال فترة الانتداب البريطاني، شكلت هذه الصحف منابر للوعي الوطني والتعبئة الجماهيرية، إلا أنها واجهت سياسات قمعية حدّت من قدرتها على النشر الحر وفرضت رقابة صارمة على المحتوى، في إطار أوسع استهدف كسر أي بناء معرفي فلسطيني مستقل.
المعرفة تحت الانتداب البريطاني
اعتمدت سلطات الانتداب البريطاني بنية تشريعية وأمنية محكمة لمراقبة الفضاء الثقافي والاجتماعي. فحُلّت جمعيات اعتُبرت قومية أو ذات طابع سياسي، ووُجّه النشاط الثقافي بما يخدم الإدارة الاستعمارية. امتد ذلك إلى التعليم عبر مناهج تسعى لتجريد الطالب الفلسطيني من وعيه الوطني، مقابل تمكين مؤسسات تعليمية صهيونية كـالتخنيون (1924) والجامعة العبرية (1925)، ما شكّل نظامًا معرفيًا مزدوجًا أنتج لاحقًا عدم توازن تاريخي في القوة والرواية. في هذا المناخ، حاولت الصحافة الفلسطينية الحفاظ على دورها الوطني رغم التضييق؛ فكانت فلسطين (1929) والدفاع (1934) منابر شكلت ذاكرة مكتوبة لمواجهة المحو، وأسهمت في بناء وعي سياسي وثقافي بين الفلسطينيين والجوار العربي.
تدمير المدارس والمكتبات تحت عتم النكبة
مع النكبة، تلقّى قطاع التعليم ضربة وجودية. فقد دُمّرت مدارس مركزية مثل العامرية في حيفا والمنشية في يافا، وتعرضت مؤسسات معرفية للحرق أو التفجير، وصودرت مكتبات مثل مكتبة الجامعة العربية في القدس ونُقلت محتوياتها لمؤسسات صهيونية. وأُغلقت مؤسسات تعليمية رائدة كالكلية العربية والمدرسة الإسلامية، وحُوّلت مبانيها لاستخدامات أخرى. كان هذا التدمير أكثر من فعل حرب؛ كان محاولة لتجريد المجتمع من أدوات استمراره.
محاربة التعليم كأداة للهوية والبقاء
يُنظر إلى التعليم في فلسطين بوصفه ركيزة للهوية والبقاء الثقافي، لا خدمة ثانوية يمكن الاستغناء عنها. فاستهداف البنية التعليمية يعني تجريد المجتمع من أدوات صنع مستقبله، وحرمان الأجيال من نقل اللغة والثقافة والوعي السياسي. وإدراكًا لهذه المركزية، عمل الاحتلال على محاصرة التعليم بأدوات متعددة، من فرض مناهج محرفة في المدارس الفلسطينية، وتهديد المؤسسات بالإغلاق، إلى استهداف المعلمين والطلبة وعرقلة التوسع المدرسي في القدس. كما شهدت الضفة الغربية اقتحامات متكررة للجامعات، واعتقالًا للطلاب، وإغلاقًا للطرق، وتقييدًا للأنشطة الثقافية والطلابية، إضافة إلى تمييز ممنهج في التمويل وتعطيل البحث العلمي. بينما بدت الصورة أكثر قسوة في غزة، حيث شهد القطاع تدميرًا واسعًا للمدارس والجامعات، وتوقفًا للعملية التعليمية، وقتلًا وتهجيرًا للطلاب والمعلمين، فضلًا عن تدمير المكتبات والأرشيفات. وبحسب تقرير UNESCO حتى يوليو 2025، تعرضت 97% من مدارس غزة للضرر، فيما يحتاج 518 منها إلى إعادة بناء أو ترميم، في مشهد يلخص حجم الاستهداف المعرفي الممنهج الذي يهدد الذاكرة والتعليم معًا.
نتائج الإبادة التعليمية والمعرفية
تتجلّى نتائج الإبادة التعليمية والمعرفية في مستويين متوازيين؛ فقصير المدى منها يشير بوضوح إلى انقطاع التعليم، فقدان المناهج والأدوات، وارتفاع الصدمات النفسية بين الطلاب، بينما يتسلّل أثرها بعيدًا في الزمن ليُشكّل مستقبلًا أكثر خطورة يتمثّل في جيل بلا شهادات، وانحسار النخب الأكاديمية، وتزايد الاعتماد على مؤسسات خارجية في إنتاج المعرفة، ما يفتح الباب أمام إعادة صياغة الرواية التاريخية بعيدًا عن الفلسطينيين أنفسهم. بين عامي 2023–2025 وحدهما، تعرضت 403 مدارس في غزة للضرب أو التدمير، ما حرم ما يزيد عن 435,290 طالبًا و16,275 معلّمًا/معلمة من بيئة تعليم آمنة وصالحة، فيما طالت الهجمات جامعات مركزية مثل جامعة الأزهر وجامعة الإسراء، معطّلةً بذلك مسار نحو 87,000 طالب في التعليم العالي. ولم تقتصر الخسارة على الأبنية والصفوف، بل امتدت لتشمل المكتبات والأرشيفات والوثائق الثقافية التي فُقدت أو أُتلفت، مساهِمةً في إعاقة عملية إعادة الإعمار وإضعاف قدرة المجتمع على استعادة هويته وذاكرته الجماعية.
تثبت التجربة الفلسطينية أن التعليم ليس حقًا فقط، بل مقاومة. إعادة فتح مدرسة من بين الركام، تدريس الأطفال في خيمة أو مسجد، استمرار الجامعات ببرامج بديلة. كلها محاولات لحماية الوعي من العدم. فالمعرفة هنا ليست رفاهية، بل مساحة دفاع عن الوطن، وعن الحق في الوجود. فإلى أي حد يمكن النظر إلى تدمير منظومة التعليم الفلسطينية كفصل جديد من الإبادة ضد الشعب الفلسطيني؟ وهل يمكن لشعب تُستهدف ذاكرته أن يكتب مستقبله؟