كيف خرج المشروع الصهيوني من الظل إلى الضوء
| أكاديمية دراسات اللاجئين |
مهند سامر - مدير قسم التواصل والإعلام
منذ أواخر القرن التاسع عشر، بدأت القوى الاستعمارية تتقاطع عند فكرة إنشاء كيان لليهود في قلب المشرق العربي. وكان ثيودور هرتزل هو من حوّل الحلم الغامض إلى مشروع سياسي واضح المعالم، إذ أدرك، بعد المؤتمر الصهيوني الأول في بازل عام 1897، أن إقامة دولة يهودية لن تتحقق دون دعم القوى الكبرى.
باكورة المحاولات في العاصمة العثمانية (1896–1901)
حاول هرتزل استغلال الأزمة المالية التي كانت تمرّ بها الدولة العثمانية، مقترحًا على السلطان عبد الحميد الثاني أن يتكفّل اليهود بتسديد ديون الدولة مقابل السماح لهم بالهجرة إلى فلسطين. امتدت محاولاته بين عامي 1896 و1901، لكنها انتهت بالفشل؛ إذ رفض السلطان العرض رفضًا قاطعًا، وأصدر مراسيم صارمة لمنع تسلل اليهود إلى فلسطين، مؤكدًا أن هذه الأرض وقفٌ إسلامي لا يُفرَّط فيه.
رهان في ألمانيا (1898)
بعد فشل رهانه على العثمانيين، اتجه هرتزل إلى أوروبا محاولًا كسب دعم القيصر الألماني فيلهلم الثاني خلال زيارته إلى القدس عام 1898. عرض عليه فكرة أن إقامة وطن لليهود ستخدم ألمانيا بطريقتين:
التخلص من اليهود غير المرغوب فيهم داخل ألمانيا،
تعزيز نفوذ برلين في المشرق عبر كيان تابع لها.
كان هرتزل يروّج أمام الأوروبيين بأن اليهود سيقيمون في فلسطين “قاعدة للحضارة الغربية في مواجهة الشرق المتخلّف”، على حدّ وصفه.
إلى “الأمّ بريطانيا” (1904–1917)
وجّه هرتزل أنظاره إلى بريطانيا التي رأت في المشروع الصهيوني أداةً لتثبيت نفوذها في الشرق الأوسط. ومع مطلع القرن العشرين، تعمّقت الاتصالات بين الزعيم الصهيوني حاييم وايزمان ووزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور. وفي 2 تشرين الثاني/نوفمبر 1917، أصدر بلفور تصريحه الشهير في رسالة موجّهة إلى اللورد ليونيل وولتر دي روتشيلد، نصّت على ما يلي:
“إنّ حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل أقصى جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يُفهم جلياً أنّه لن يُؤتى بأيّ عمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين، ولا من الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر.”
وبعد الاحتلال البريطاني للقدس بقيادة الجنرال إدموند اللنبي، وضعت بريطانيا فلسطين تحت نظام الانتداب، وعيّنت هربرت صموئيل، وهو يهودي صهيوني متشدّد، أول مندوب سامٍ لها في البلاد لتطبيق مضمون الوعد على الأرض.
التعاطف الصيني (1920)
لم يقتصر الدعم على الغرب؛ ففي عام 1920 وجّه الزعيم الصيني سون يات-سن رسالة إلى رئيس الجمعية الصهيونية في شنغهاي إيلي عزرا، عبّر فيها عن تأييده للحركة الصهيونية، معتبرًا أن معاناة اليهود في الشتات تشبه معاناة الشعوب المستعمَرة، ومنها الشعب الصيني. ورأى سون يات-سن أن اللاجئين اليهود يمتلكون قدرات مالية ومواهب يمكن أن تسهم في نهضة الصين اقتصاديًا، فضلًا عن السمعة الإيجابية التي ستحققها بلاده في الغرب عبر مساهمتها في حل “المعضلة اليهودية” .وفي تلك الفترة كانت الصين قد استقبلت نحو 25 ألف لاجئ يهودي في شنغهاي، لكن سون اقترح مشروعًا أوسع لاستضافة مئة ألف يهودي في مقاطعة يونان عند سفوح جبال الهيمالايا، لتكون بمثابة “أرض ميعاد صينية” لهم.
من التصريحات إلى الخرائط
إذن، فإن الصهيونية في سعيها وراء “الأرض الموعودة” تنقّلت بين مشاريع متعدّدة: من إقامة مستعمرات زراعية لليهود في الأرجنتين والبرازيل، إلى وطنٍ مؤقت في أوغندا، مرورًا بمشروع شمال كندا النائية، ثم المشروع الصيني فالسوفييتي، وصولًا إلى مشروع مدغشقر. كانت تلك كلها محاولات ووعود وتصريحات لتوطين اليهود في بقاع متفرقة من العالم، قبل أن يستقر المشروع على إقامة وطن قومي لهم في فلسطين. وهكذا تكاثرت الوعود البلفورية، وتحولت من تصريحاتٍ إلى خرائط، ومن أفكارٍ إلى واقعٍ غيّر وجه التاريخ، فاجتمع الغرب على فكرة زرع جسمٍ دخيل في قلب البيئة العربية والإسلامية.