محو الذاكرة أم تصعيد النسيان؟ فلسطين في مرآة المناهج
| أكاديمية دراسات اللاجئين |
د. ديمة طهبوب - سياسية وأكاديمية
كانت اواخر التسعينات آخر السنوات الخيرة يوم كان كتاب المدخل الى القضية الفلسطينية منهجا دراسيا حكوميا يأخذه الطلاب قبل الانتهاء من المرحلة الثانوية و الولوج الى الدراسات العليا و كان يعضده بعد ذلك مساقات جامعية اختيارية و على بساطة طرحه و تاريخيته البحتة التي لم تكن تحمل أي رسائل توجيهية الا أنه أعطى فرشة معرفية لا بأس بها لكثير من الأجيال و عرفهم بتاريخ القضية و الصراع ضمن إطاره العربي و كون فلسطين قضية الأمة العربية الأولى، و هو ما افتقدته الأجيال اللاحقة عندما تمت مراجعة المناهج بعد توقيع معاهدات "السلام" و نزع كل ما يتعلق بالعدو الصهيوني من مناهج التربية الاسلامية أولا في اختصار و تجاوز مخل للتاريخ و العقيدة ثم من مناهج التاريخ ثم من مناهج اللغة العربية و الأناشيد التي تقوم على أفكار الشجاعة و التضحية و المقاومة و حب الأوطان و المقدسات كلها تم استثناؤها و كأن واضعي المناهج أرادوا مسح الذاكرة الجمعية للأجيال القادمة و قد نجحوا الى حد كبير في هذه الخيانة الثقافية للأمة فأصبحت الأجيال ترث الولاء للقضية الفلسطينية وراثة عائلية محصورة بأرض و جنسية و حدود مصطنعة لا يعرف أصحابها سوى أن جذورهم من فلسطين و أخرجت بذلك فلسطين من سياقها العربي و الاسلامي و سياق القدسية الذي يملكه و يطالب به كل العرب و المسلمين على اختلاف بقعهم الجغرافية!!
و في الوقت الذي كنا نتآمر طواعية على إسقاط القضية الفلسطينية من الدراسة المنهجية كانت المؤسسات الأممية تجرب على طلابنا فكرة تدريس الهولوكوست في استبدال غير بريء بل يتسق مع خطط المجتمع الدولي في تشكيل ثقافة ما يسمونه بالتعايش و قبول الآخر!!!
إن التعامل مع دراسة القضية الفلسطينية هو نموذج لتعامل العرب مع دراسة التاريخ و التجارب التراكمية و لعل الصعفة الأكبر جاءتنا بتصريح موشيه دايان " إن العرب لا يقرأون، وإذا قرأوا لا يفهمون، وإذا فهموا لا يستوعبون، وإذا استوعبوا لا يطبقون، وإذا طبقوا لا يأخذون حذرهم" و هذا يدلل أن دراسة التاريخ في بلادنا ما زالت تصب في ثقافة الترف التي لا تحرك ساكنا لا في دارسيها و لا توجد أثرا عند تدريسها في المدارس بل ان حصة التاريخ هي من الحصص المكروهة المملة و المتعارف عليه أن التاريخ مادة للحفظ و البصم فقط يهرب منها كل من يمتلك مهارات التفكير و تشغيل الدماغ! هذا غير أن دراسة التاريخ أو معظم دارسيه بالأحرى لا يتمتعون بنظرة وسطية فهم إما مصابون بنوستالجيا الشوق و الهروب الى الماضي و تمجيد الأسلاف أو مريضون بجلد الذات و كراهية الأجداد و تحميلهم اللائمة على الأرث الثقيل في الحاضر و ما بين توقع استمرار اللعنات أو البركات من التاريخ الى الحاضر تبقى قلة قليلة تنظر بموضوعية الى التاريخ كفترة لها دروسها و قابلية التكرار من عدمه تعتمد على فهم الدروس و الاستفادة منها فالتاريخ ما مضى و لا انقضى بل هو دورة متكررة و أطوار مُعادة و أنماط بشرية يمكن التنبوء بها
إن دراسة التاريخ تغدو أكثر حساسية في القضايا المصيرية فهي جزء من المقاومة فالحرب بداية تقوم على التاريخ و معارك إثبات الأحقية و الملكية و التبعية و لقد لجأت بعض الشعوب مقابل ذلك الى الاحتيال و تزوير التاريخ و إخفاء الحقائق و التهويل و المبالغة و الخلط بين الدين و التاريخ لاضفاء مزيد من القدسية على الادعاءات و مثال ذلك دراسة الهولوكوست و ما يحيط به من هالة و حماية قانونية تمنع المسائلة و الدراسة البحثية الجادة و تجرم دوليا كل من يجرؤ على مجرد التساؤل!!
إن تأمر الحكومات العربية على إسقاط تدريس مناهج القضية الفلسطينية و تصفيتها معرفيا و ثقافيا و قتل حالة الإجماع و الالتفاف حولها يجب أن يواجه بجهود الأفراد و المؤسسات الأهلية التي يجب أن تقدم البديل لكي تبقى فلسطين حاضرة في الهوية و الكينونة العربية و يبقى صوت الفلسطيني يسمع صداه ملبيا من الشام لبغدان و من نجد الى يمن الى مصر فتطوان، و في هذا الصدد يعتبر انشاء أكاديمية لدراسة القضية الفلسطينية تحت اسم أكاديمية دراسات اللاجئين www.refugeeacademy.org خطوة عملية لتجاوز الفجوة التي أوجدتها الأنظمة العربية بالتخلي عن مسؤولياتها التعليمية و الثقافية تجاه القضية الفلسطينية و الأجيال القادمة و لذا كانت رؤية الأكاديمية ما يلي" "نحو جيل مدرك لحقوقه متمسك بها ويعمل على استعادتها" أما أهدافها فهي " بناء مساحة معلوماتية واسعة لدى الشريحة الأوسـع من الناس بشأن قضية العودة واللاجئين، وتأهيل وتدريب متخصصين في دراسات اللاجئين الفلسطينيين، ونشر ثقافة حق العودة وأدبيات ومفردات قضايا اللجوء واللاجئين، وإظهار معاناة اللاجئين الفلسطينيين في أماكن وجودهم، إضافة إلى نشر وتبني الدراسات الأكاديمية عن اللاجئين الفلسطينيين، وتعميق مبدأ التمسك بحق العودة" و جميع هذه القضايا مصيرية و مفتاحية في فهم السياق العام للقضية الفلسطينية، و الإعداد العلمي و النفسي للأجيال يوازي الأعداد البدني أهمية فقد يذهب البدن و يُصفى الأفراد الا أن الحفاظ على الذاكرة يحفظ الحقوق و لا يجعلها تسقط بالتقادم بل تتوارث جيلا بعد جيل و المجاهد العارف العالم خير من الذي يقاتل عن جهالة فذلك يؤذي و يسيء الى قضيته و مبادئه و لا ينفعها
العلم المُقاوِم كالسلاح المُقاوِم بل و مقدمة له و الجهاد للتحرير سنام المطالب فمن عجز عن إدراك الحالة الأمثل فليعمد الى استكمال المتطلبات و التأهيل الأولي ليكون جاهزا عندما تأتي المرحلة الحاسمة أو يكون من جنود صناعتها و بلوغها فإن أقدار الله بالنصر مبثوثة في الكون تنتظر قوم التغيير ليجري الله قدره بعونهم و تغيير حال الأمة
لقد أوقف أبو بكر الفتوحات العظيمة في العراق و جند كل الجيش ليعجل الى نجدة الشام و كان فتح قرية من بيت المقدس أحب اليه من عظيم الفتوحات في غيرها لأنه فهم عن رسول الله صل الله عليه و سلم أن بيت المقدس البوصلة و صمام الأمان لحفظ ما تحت قدميه من جذور دولة الاسلام و الخلافة في مكة و المدينة و سائر المناطق، بل لقد جاء في بعض الأحاديث ان مقدار حبل الفرس من بيت المقدس أحب من الدنيا و ما فيها
لن يعدم محب مخلص حريص سبيلا الى النصرة و الله نوع الوسائل لكيلا يبقى لمعتذر حجة و الميدان واسع من اول إنكار القلب و العقل الى شق التمرة الى كلمة الحق في وجه السلطان الجائر الى العلم الذي ينتفع به فمن لم يقدر على الأعظم فلا يتركن ما يوصل إليه