مؤسسة غزة الإنسانية (GHF): مشروع تجويع
| أكاديمية دراسات اللاجئين |
فريق التحرير - قسم التواصل والإعلام
مبالغات في الإحصاءات
تشير منشورات صفحة GHF على مواقع التواصل الاجتماعي إلى أرقام ضخمة حول عمليات التوزيع، من بينها إعلان عن "توزيع أكثر من 10 ملايين وجبة" بحلول 8 يونيو. غير أنه خلال تدقيق فريق الأكاديمية تبين أن المصادر المستقلة تُورد أرقامًا أقل بكثير. على سبيل المثال، أفادت وكالة رويترز أن المؤسسة وزّعت 8,160 صندوقًا غذائيًا حتى 6 يونيو، ما يعادل قرابة 471,240 وجبة. كما ذكر رئيس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) أن ما تم توزيعه بلغ حوالي 8,000 صندوق (نحو 462,000 وجبة) خلال المدة، وهو رقم لا يقترب من الأرقام المليونية التي تزعمها تلك المؤسسة. وفي وقت لاحق، أعلنت GHF عن توزيع "نحو 6 ملايين وجبة" في أوائل يونيو، ثم "قريبًا 9 ملايين" بعد أسبوع فقط. هذه التناقضات تثير تساؤلات جدية حول دقة البيانات المنشورة، ويُرجّح محللون أنها تتضمن مبالغات لا تتناسب مع الإمكانيات اللوجستية والإمدادات المحدودة التي يسمح جيش الاحتلال بدخولها إلى القطاع.
بينما لا تتوفر أي جهة رقابية مستقلة تتولى حصر ما تم توزيعه من قِبل GHF بصورة دقيقة. فبرنامج الأغذية العالمي وهيئات الأمم المتحدة تمتنع عن التعاون معها لاشتباهها بجميع أنشطتها كونها مؤسسة أمنية بغطاء إنساني، مما يحول دون وجود تقارير محايدة يمكن الاعتماد عليها. في المقابل، عبّرت منظمات إغاثة دولية عن قلقها من آلية التوزيع المعتمدة، واعتبرت أنها تفتقر إلى المعايير الإنسانية الأساسية. كما شددت على أن العدد الفعلي للوجبات المقدّمة بعيد عن الادعاءات الرسمية للمؤسسة.
تشير الأكاديمية إلى أن الاحتياج الغذائي الفعلي لقطاع غزة، وفق معايير المنظمات الإنسانية، يُقدّر بما لا يقل عن 2 مليون وجبة يوميًا كحد أدنى مطلق لتجنّب المجاعة والوفيات الجماعية. غير أن التقديرات الواقعية، بالاستناد إلى عدد السكان البالغ أكثر من 2.2 مليون نسمة، تُشير إلى أن تلبية الحد الأدنى من الاحتياجات الغذائية اليومية تتطلب نحو 4.4 مليون وجبة يوميًا، إذا اعتُمد معيار وجبتين يوميًا للفرد الواحد.
العلاقة بالاحتلال في ظل تمويل أمريكي – إسرائيلي
تُظهر تقارير تحقيقية أن GHF توظف مقاولين أمنيين أميركيين مسلحين، يتلقون تدريبات وإمدادات خاصة، ويعملون في ما تُسمى "مناطق آمنة" بحسب وصف الاحتلال. وقد سجلت السلطات السويدية مخالفات تنظيمية ضد الفرع المسجّل هناك، في ظل غموض يلفّ مصادر تمويل المؤسسة، وآليات صرفه، وغياب تام لأي رقابة مالية. هذا الواقع يعزز المخاوف من أن المؤسسة لا تلتزم بالمبادئ المعمول بها في العمل الإنساني المحايد، ويضعها خارج نطاق الاعتماد لدى الأونروا والوكالات الدولية الأخرى.
تؤكد تقارير موثوقة أن GHF تحظى بدعم مالي مباشر من الولايات المتحدة وإسرائيل. فبحسب ما نقلته رويترز عن مسؤولين أميركيين، يتولى تمويل المؤسسة مكتب المساعدات الخارجية الأميركي (USAID). كما أن المؤسسة مسجّلة رسميًا في سويسرا والولايات المتحدة بغرض جمع التبرعات بعيدًا عن الأطر الحكومية التقليدية.
يعترف المخطط التشغيلي لـGHF بأن عمليات التوزيع تتم بالتنسيق مع قوات جيش الاحتلال وإدارة التنسيق والارتباط (COGAT). وقد صرّحت المؤسسة نفسها بأن التوزيعات نُفذت "بأمان ونجاح" ضمن هذا التنسيق، من دون تسجيل أي حوادث. ورحّبت سلطات الاحتلال بهذا النموذج الجديد واعتبرته وسيلة لمنع وصول المساعدات إلى المقاومة الفلسطينية. في المقابل، حذّرت هيئات محلية ودولية عدة من أن هذه الآلية تُعدّ جزءًا من خطة إسرائيلية لتقييد العمل الإنساني وحرفه عن مبادئه.
مقارنة بالمنظمات الإغاثية الدولية
الأونروا ووكالات الأمم المتحدة
لطالما اعتمدت منظومة الإغاثة الدولية على شبكات واسعة تديرها الأونروا وبرنامج الغذاء العالمي. فقبل فرض الحصار الأخير، كانت تدخل مئات الشاحنات يوميًا إلى غزة. وفي تقرير صادر بين مارس وأبريل 2025، ذكرت الأونروا أنها وزّعت ما يقرب من 270 ألف كيس دقيق، تكفي أكثر من 700 ألف شخص. ومع تخفيف القيود جزئيًا، واصلت تشغيل أكثر من 400 مركز توزيع في مختلف مناطق القطاع.
بالمقابل، تعتمد GHF على عدد محدود من المراكز لا يتجاوز 3–4 مواقع، تتركز جنوب ووسط القطاع، وهي بنية لا تتناسب إطلاقًا مع حجم الكارثة والاحتياج الجماهيري الهائل. كما أن غياب مراكز إيواء أو مطابخ ميدانية دائمة في نموذج GHF يحدّ من قدرتها على الاستجابة المستدامة. وقد أثار تركيز عمليات المؤسسة في مناطق محددة، مع ربط المساعدات بالتجمّع السكاني فيها، شبهاتٍ حول وجود مخطط لإعادة التمركز السكاني أو التهجير الداخلي، بما يتقاطع مع تحذيرات سابقة أطلقتها منظمات حقوقية من محاولات إسرائيلية لإعادة تشكيل الخارطة الديموغرافية داخل القطاع، تحت غطاء إنساني.
الهلال الأحمر والصليب الأحمر الدولي
يعمل الهلال الأحمر الفلسطيني في غزة ضمن إمكانيات محدودة، بالتنسيق مع الصليب الأحمر الدولي، لتقديم خدمات طبية وإغاثية عاجلة. إلا أن نشاطاتهما تظل مقتصرة على نطاق ضيق، وغالبًا ما تكون موجهة لحالات الطوارئ والجرحى، نتيجة الوضع الأمني الكارثي. ولا تتوفر إحصاءات موثوقة أو شاملة عن حجم التوزيعات الغذائية التي تولتها هذه المنظمات مؤخرًا، غير أنها تحافظ على مستوى عالٍ من الحياد والخبرة، رغم تقييدها من قبل سلطات الاحتلال.
المنظمات الدولية الكبرى
منذ 7 أكتوبر 2023، باتت غالبية عمليات الإغاثة في غزة تعتمد على تدخلات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الدولية. إلا أن الحصار شبه الكامل على دخول المساعدات الإنسانية فاقم من تعقيد الأزمة. فقد حذّرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر من أن استمرار المنع يُفاقم المعاناة المدنية يومًا بعد يوم. وحتى يونيو 2025، لم تتمكن هذه المنظمات من استعادة نشاطها الطبيعي داخل القطاع. في هذا السياق، تبقى ماتقدمه GHF كمية غذاء محدودة جدا، يجري التحكم بها مباشرة من قبل الولايات المتحدة والاحتلال، بآليات توصف بأنها "آلية عسكرية" واضحة لا ترقى إلى مستوى التحديات الإنسانية المتصاعدة.
في الختام إن مقارنة نموذج GHF بباقي الكيانات الإغاثية العريقة، مثل الأونروا والهلال الأحمر، تُظهر بوضوح أن هذه المؤسسة هي غطاء لمشروع أمني تفتقر إلى كل من الإمكانيات والانتشار الميداني اللازمين لتلبية أدنى حد من الاحتياجات الجماهيرية. بدلًا من ذلك، تعتمد على حملة إعلامية مضخّمة تسوّق لإنجازات رمزية تصبّ في خدمة أجندات سياسية وأمنية أكثر منها إنسانية.
حيث إن ما يُسوّق له كـ"مساعدات إنسانية" عبر GHF لا يتعدّى كونه واجهة لنهج مبرمج في إدارة التجويع السياسي والتطويع المجتمعي، وسط تجاهل صارخ لمعايير الحياد، الشفافية، والاستقلالية التي يفترض أن تحكم العمل الإغاثي. من هنا، تبرز الحاجة المُلحّة لإعادة تمكين الوكالات الدولية المستقلة، وتحصينها من التدخلات العسكرية والسياسية التي لا تزيد الوضع إلا تعقيدًا.